فيضانات ألمانيا.. لا يمكن تحييد المناخ من حسابات الاقتصاد

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فيضانات جارفة تجتاح دول غرب أوروبا وبالأخص ألمانيا، إمتدت إلي النمسا ثم بلجيكا وهولندا ولوكسبمورج، وحصيلة تقترب من 200 قتيل حتى أمس الإثنين فى غرب أوروبا فقط إضافة إلي مئات المفقودين.

 

 

أودت الفيضانات الجارفة التي إجتاحت ألمانيا بحياة 160 شخصاً حتى التاسع عشر من يوليو الجاري، حسبما أفادت الشرطة، فيما تم إخلاء مئات المنازل من ساكنيها في عدد من المناطق بالغرب الألماني، بالإضافة إلى هولندا وبلجيكا.

 

وخلال أيام ستقدم الحكومة الألمانية مساعدات طارئة بقيمة لا تقل عن 300 مليون يورو، وهى مساعدات عاجلة تسبق برنامج ضخم لإعادة الإعمار بكلفة تبلغ عدة مليارات من اليورو  فى المناطق المنكوبة.

 

عدد كبير من الخبراء والسياسيين الألمان عزوا السبب إلى الإحتباس الحراري والتغيرات المناخية، كذلك دعت المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" أثناء زيارتها لمناطق المنكوبين إلى ضرورة بذل جهد كبير جداً لتسريع مكافحة تغير المناخ.

 

مراسل "وول ستريت جورنال" فى ألمانيا "بوجان بانسيفسكي" يقول : هذه الفيضانات هى الأكثر كارثية منذ أجيال طويلة، الفيضانات تحدث فى هذه المناطق من ألمانيا بشكل إعتيادي، لكن شدتها هذه المرة كانت أقوي بكثير من المرات السابقة، وأيضاً السيول التى أخذت الناس ووحدات الإنقاذ علي حين غرة، كان أمراً غير مسبوق".

 

الجيش الألماني يتحرك

 

 

ونظراً لحجم الكارثة وفجائيتها بالتوازي مع عدم كفاية وحدات الإنقاذ المدنية، تم إستدعاء جنود وآليات الجيش الألماني للمشاركة بجهود الإنقاذ مع إستمرار إرتفاع عدد ضحايا الفيضانات.

 

حيث أعلنت وزيرة الدفاع الألمانية "أنيجرت كرامب-كارنباور"، تقديم دعم سريع من الجيش الألماني للمناطق التي تشهد كارثة سوء الأحوال الجوية والفيضانات في غرب وجنوب غرب ألمانيا.

 

وكتبت "أنيجرت" على "تويتر" الخميس الماضي: "إننا نفكر اليوم في جميع من أثر عليهم سوء الأحوال الجوية والفيضانات، الجيش الألماني يساعد سريعاً ودون تعقيدات في مدينتي هاجن وآرنفايلر بإجمالي 300 فرد من جندياته جنوده".

 

أراء الخبراء

 

"يوهانس كواس" خبير الأرصاد الجوية في جامعة "لايبزيغ" يقول : "هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، تغير المناخ يغير أيضاً تعريف الطقس الطبيعي، نحن نقترب ببطء من وضع طبيعي جديد يتضمن أنماط هطول أمطار مختلفة.

 

ويضيف "كواس": وبإعتبارها من الدول الصناعية، فإن الحرارة ترتفع في ألمانيا أسرع مرتين من معدل الإحتباس الحراري، وهذا يعني أن فرص هطول الأمطار الغزيرة أعلى بنسبة 20% مقارنة بالقرن التاسع عشر و10% أعلى مما كانت عليه عندما ولدت انا، أي قبل حوالي أربعة عقود، طالما واصلنا إنبعاث ثاني أكسيد الكربون، فمن المحتمل أن نشهد مثل هذه الأمطار الغزيرة"

 

"بيرند ميليغ" المسؤول البيئي في ولاية "شمال الراين وستفاليا" يقول :"عادة ما نشهد مثل هذا الوضع في الشتاء فقط، إن أمراً كهذا، وبهذه الشدة، يُعد غير معتاد بالمرة في الصيف".

 

"فريدريك أوتو" خبيرة المناخ من معهد التغير البيئي بجامعة "أكسفورد" تقول : "هطول الأمطار الذي شهدناه في جميع أنحاء أوروبا خلال الأيام القليلة الماضية هو طقس متطرف تزداد شدته بسبب تغير المناخ وسيستمر في الزيادة مع المزيد من الإحتباس الحراري".

 

موقع البرنامج العلمي الألماني "جاليليو" يقدم تفسيراً لما حدث موجزه ما يلي : "تحدث الفيضانات عندما يكون هناك تدفق كبير للمياه في مقابل نقص كبير في تصريفها، الأسباب الرئيسية لذلك هي هطول الأمطار الغزيرة والمستمرة وكذلك الذوبان المفرط للثلوج، التي تثقل كمياتها الجداول والأنهار المحلية".

 

الجائحة والاقتصاد

 

الإقتصاد الألماني وأثناء مواجهته لكارثة الفيضانات، يقاوم فى هذه الفترة من أجل الإستماتة للعودة إلي معدلات النمو والنشاط الإقتصادي كما كانت قبل الجائحة،  وبالفعل يحرز أرقاماً جيدة فى هذا المضمار.

 

حيث أن ألمانيا نجحت حتي الآن فى الهبوط من معدلات إصابة يومية فى يناير من العام الجاري تجاوزت الـ 30 ألف إصابة فى اليوم، وهو الرقم الأعلي فى 2021، إلي أقل من 1300 إصابة يومية حتي السابع عشر من يوليو الجاري.

 

أما معدلات التلقيح بجرعة واحدة علي الأقل فى المدن الألمانية فقد قفزت من 700 ألف شخص فى يناير من العام الجاري، إلي 49 مليون شخص حتي السادس عشر من يوليو الجاري وهى معدلات أكثر من إيجابية لأكبر إقتصاد أوروبي.

 

وعلي الرغم من إرتفاع معدل الإصابات فى الفترة بين الثاني إلى السادس عشر من يوليو الجاري بمقدار 114% مقارنة بالفترة من الثامن عشر من يونيو إلى الثاني من يوليو فى ألمانيا، إلا أن معدل التلقيح ورفع القيود يُشكلا حائط صد لهذه الإرتفاعات فى الإصابات والعدوي، نظراً لقدرة اللقاح علي تقليل مخاطر الفيرس وتخفيف إحتمالية مواجهة صعوبات تؤدي لتحويل الإصابة إلي موت محقق.

 

نظرة علي أداء الإقتصاد الألماني

 

بالإستعانة بقراءات مؤشر IFO لمناخ الأعمال ومعنويات الشركات الألمانية، الذي يتم إستخراجه من مسح شهري على سبعة آلاف شركة لمعرفة تقييمهم للوضع الحالي لقطاع الأعمال والتعبير عن ذلك بالنقاط.

 

والأسئلة تتعلق بتخصصات معينة مثل القطاع الصناعي، الإنشاءات، مبيعات الجملة، إضافة إلي توقعاتهم الخاصة بالستة أشهر المقبلة، والتى جاءت فى يونيو بأفضل مما كان متوقعاً وحققت القراءة فى الشهر الأخير 101.8 نقطة مقابل 75.6 نقطة فى بداية الجائحة.

 

مسح ifo لقياس المعنويات فى مناخ الأعمال الألماني - قبل وبعد الجائحة

 

 

يقول " كلاوس وولرابي" الخبير الاقتصادي في معهد IFO فى أعقاب صدور تقرير يونيو الأخير رأيه بآداء الإقتصاد الألماني فى النقاط التالية الموجزة :

 

الإقتصاد الألماني يتحسن بوتيرة سريعة، وإرتفعت توقعات الصادرات أيضاً.

 

تحسنت ظروف قطاع مبيعات التجزئة بأسرع وتيرة منذ إعادة توحيد ألمانيا.

 

لا يزال وضع قطاع الضيافة سيئاً ولكن حالة التفاؤل تتزايد بشأنه.

 

-  قيود كورونا لا يزال لها تأثيرها السلبي على الصناعات الكبرى.

 

الشركات ترغب في رفع الأسعار بسبب زيادة تكاليف مدخلات الإنتاج.

 

نتوقع نمو الإقتصاد بـ 1.3% و3.6% فى الربعين الثاني والثالث من 2021.

 

النمو الربع سنوي للإقتصاد الألماني - 2020 - 2021 (%)

 

 

المناخ والسياسة

 

تلتزم جميع الأحزاب الألمانية في البرلمان، بإستثناء حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، ببنود إتفاقية باريس للمناخ التي تنص على أن الإرتفاع المسموح به فى درجة الحرارة الناتج عن الإحتباس او الإحترار العالمي يجب ألا يتجاوز1.5 درجة فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي.

 

 

قامت ألمانيا بعدة خطوات في مضمار مكافحة تغير المناخ، أهمها تحقيق "الحياد الكربوني"، حين أقرت قانوناً مايو الماضي ينص على تحقيق البلاد هدف "الحياد الكربوني" بحلول 2045، ويحدد كمية إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون المسموح بها سنويا لكل قطاع.

 

وتعتزم ألمانيا تقليص الإنبعاثات بنسبة 65% بحلول 2030، مقارنة مع 1990، بدلاً من 55% سابقاً، ثم بنسبة 88% بحلول 2040، مع رغبة في بلوغ 100% من الحياد الكربوني سنة 2045.

 

كمية الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون فى الدول الكبري - حتي 2019

العالم

36.44 مليار طن

الصين

10.17 مليار طن

أوروبا

5.45 مليار طن

الولايات المتحدة

5.28 مليار طن

الهند

2.62 مليار طن

روسيا

1.68 مليار طن

اليابان

1.11 مليار طن

كمية الإنبعاثات فى بعض الدول التى إجتاحتها فيضانات يوليو 2021

ألمانيا

701 مليون طن

هولندا

154 مليون طن

بلجيكا

99.7 مليون طن

النمسا

68.5 مليون طن

لوكسمبورج

9.7 مليون طن

 

الجهد العالمي يتعاظم

 

الهدف من الجهد الألماني المنخرط فى الجهد العالمي هو الوصول إلي صفر إنبعاثات بدلاً من هذا الرقم المُفزع الذي يدور حول 35 مليار طن سنوياً، لكن كلمة "تصفير الإنبعاثات" لا تعني أنه لن يكون هناك إنبعاثات جديدة.

 

توضح "الأمم المتحدة" بأن تصفير الإنبعاثات لا يعني أننا لن نضيف إنبعاثات جديدة إلى الغلاف الجوي، سوف تستمر الإنبعاثات، ولكن ستتم موازنة ذلك عن طريق امتصاص كمية مماثلة من الغلاف الجوي.

 

عملياً، إنضمت كل الدول إلى إتفاق باريس بشأن تغير المناخ، والذي يدعو إلى الحفاظ على إرتفاع درجة الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي ونحن الآن أعلي بـ 1.1 درجة مئوية فوقها، وهى مستويات يمكن التسامح معها وغير كارثية.

 

لكن إذا واصل العالم ضخ الإنبعاثات التي تسبب تغير المناخ، فسوف تستمر درجات الحرارة في الإرتفاع لأكثر من 1.5 درجة فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي، وتصل إلى مستويات تهدد حياة الناس وسبل عيشهم في كل مكان.

 

 

وهذا هو السبب وراء الإلتزام الذي أبداه عدد متزايد من البلدان بشأن تحقيق حياد الكربون، أو الوصول بالإنبعاثات إلى درجة الصفر بحلول عام 2050.

 

العقد الأخير 2019-2010 هو العقد الأكثر دفئاً على الإطلاق، وفقاً للمسار الحالي لإنبعاثات ثاني أكسيد الكربون، من المتوقع أن ترتفع درجة الحرارة العالمية بمقدار 3 إلى 5 درجات مئوية بحلول نهاية القرن، ومن أجل تجنب هذا السيناريو، سيحتاج العالم إلى خفض إنتاج الوقود الأحفوري بنسبة 6% سنويا حتي 2030.
 

حقائق تدعو للتفاؤل

 

خروج الولايات المتحدة من إتفاقية باريس للمناخ فى عهد الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" شكل منعطفاً خطيراً فى المسيرة العالمية نحو تصفير الإنبعاثات نظرا لثقل وزن "واشنطن" فى الإنبعاثات العالمية والتى تقدر حصتها بـ 5.28 مليار طن من إجمالي 36.44 مليار طن عالمياً.

 

عودة "واشنطن" مرة أخري فى عهد الرئيس الحالي "جو بايدن" كانت خطوة تدعو للتفاؤل ورفعت من طموح العالم نحو إنجاز مستهدفات أفضل وأعلي فى ظل إهتمام الولايات المتحدة بالشأن المناخي وتعيين أول مبعوث رئاسي أمريكي مختص بذلك هو "جون كيري".
 

العمل المناخي ليس عاملاً مرهق للميزانية أو مُدمر للإقتصاد، بل علي العكس، فإن التحول إلى الإقتصاد الأخضر سيضيف فرص عمل، ويمكن أن يحقق مكاسب إقتصادية مباشرة قدرها 26 تريليون دولار حتى عام 2030 مقارنة بالحلول الأخري غير الخضراء، وذلك بحسب الأمم المتحدة.

 

المصادر : أرقام – وول ستريت جورنال – سي إن إن – دويتشه فيلله – معهد ifo – منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية – وكالة الطاقة الدولية – الأمم المتحدة

أخبار ذات صلة

0 تعليق