التوتر المقلق في بحر الصين الجنوبي .. ماذا يجري بين الصين وتايوان وهونج كونج؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في الأدب الصيني القديم تشتهر قصة "عُشاق الفراشات"، وهي قصة خيالية تتحدث عن حب "ليانج شان بو" و"زو يينجتاي"، هي النسخة الصينية من "روميو وجولييت"، كعادة كل قصص الحب التراثية تبدأ بسعادة وتنتهي بمأساة وبالفعل يفشل "ليانج" و"زو" في تحقيق حلمهما بالزواج حتى يمرض "ليانج" بسبب افتقاده حبيبته ويموت من شدة المرض وأثناء مرورها بقبره تنفتح المقبرة وتدخل بها ويتحول الاثنان لفراشتين لا يفترقان أبداً.

 

 

نفس القصة تحدث بين الصين وتايوان وهونج كونج، الثلاثة لا يفترقون أبدا أيضا لكن مع تايوان تكون بالعكس حيث يسيطر الحقد والكره بالنسبة للطرفين اللذين لا يستطيعان الهرب من بعضهما البعض، بينما مع هونج كونج فيسيطر الحب والألفة وإن كان فاتراً، ومن الغريب أن الأشياء التي كنا نظن أنها انتهت أو تلاشت وطوتها صفحات التاريخ منذ عقود طويلة لا تزال حاضرة ونشاهد آثارها بوضوح حتى بعد مرور أكثر من 70 عاما مثل الحرب الأهلية الصينية 1949.

 

هذه الحرب التي نشأت منها الصين التي نعرفها اليوم وأصبحت فيما بعد قوة عظمى واقتصادا كبيراً، لكنها أيضا – أي الحرب – كانت لها نتائج أكثر تعقيداً مما يظهر على السطح، حرب 1949 كانت بين قوات الحزب الشيوعي الصيني (خارج الحكومة) والكومنتانج (الحكومة)، وانقسمت من الناحية الزمنية إلى قسمين، أولهما بين 1927 و1937 وثانيهما بين 1945 و1949، ولم يُعد مسماها بداخل الصين "حربا أهلية" بل يُطلق عليها "ثورة الصين" وأحيانا "الثورة الشيوعية".

 

 

العلاقة مع تايوان تشبه النسخة الصينية من "روميو وجولييت" لكن بالعكس، أي بالكره والمقت والغضب الذي يمتد إلى ما لا نهاية رغم مرور سنوات طويلة من المعارك بين الطرفين، لكن النسيان غير وارد في هذه القصة، بعد انتهاء الحرب سيطرت القوات المنتصرة (الشيوعية) على كل مفاصل الحكم، أما المنهزمة (الكومنتانج) فقد انسحبت إلى تايوان وهذا هو أحد الأبعاد الرئيسية لقصة اليوم.

 

الاقتصاد التايواني

 

بفضل النهضة والصعود الصاروخي المتسارع لجارتهم وعدوتهم اللدودة "الصين"، انتشرت مشاعر الغيرة في تايوان ذات الاقتصاد الزراعي والبدائي، وبفضل هذه الدوافع القوية سعت القيادة التايوانية إلى إيجاد حلول مبتكرة لتغذية صعود بلدهم مثل الآخرين خاصة الصينيين، كانت بالتأكيد الصناعة هي الحل لكن أي قطاع وأي تخصص؟

 

 

لم تجد تايوان أفضل من قطاع التكنولوجيا وبالتحديد قطاع أشباه الموصلات للتفوق فيه، فكان لها شركة تُصنف اليوم في قائمة أكبر 10 شركات بالعالم من حيث القيمة السوقية بحجم يتجاوز دولا أو عدة دول صغيرة، وهي شركة TSMC التايوانية العملاقة لتصميم وتصنيع أشباه الموصلات، وتضاعف الناتج المحلي للدولة بأكثر من 50 ضعفاً ليبلغ في 2021 حوالي 22 تريليون دولار تايواني.


 

*الدولار الأمريكي = 28 دولار تايواني.

 

أكبر 10 شركات في العالم من حيث القيمة السوقية - حتى 10 أكتوبر 2021

الترتيب

الشركة

الدولة

القيمة السوقية (مليار دولار)

1

أبل

الولايات المتحدة

2,362

2

مايكروسوفت

الولايات المتحدة

2,215

3

أرامكو

السعودية

1,980

4

ألفابيت

الولايات المتحدة

1,867

5

أمازون

الولايات المتحدة

1,655

6

فيسبوك

الولايات المتحدة

930

7

تسلا

الولايات المتحدة

786

8

بيركشاير

الولايات المتحدة

643

9

تنسنت

الصين

606

10

تي إس إم سي

تايوان

570

 

العلاقة بين البلدين وصلت إلى طريق مسدود وكره دفين وماضٍ مُعقد للدرجة التي جعلت نتائج استطلاع للرأي -أجرته في أغسطس الماضي مؤسسةTaiwan New Constitution Foundation - مفاجئة ولافتة للانتباه، على سبيل المثال وجد الاستطلاع ما يلي:

 

نسبة أصحاب الرأي إلى الإجمالي

الرأي/  وجهة النظر

%90

من التايوانيين يُعرف نفسه بأنه تايواني وليس صينيا

%67

من التايوانيين على استعداد للقتال دفاعا عن بلادهم من الغزو الصيني المحتمل

%83

من التايوانيين ينظرون بالإيجاب ناحية اليابان

%75

من التايوانيين ينظروا بالإيجاب ناحية الولايات المتحدة

%70

من التايوانيين ينظرون بالسلب ناحية الصين

 

الصين وهونج كونج

 

قصة هونغ كونغ مختلفة تماما عن تايوان، في البداية هناك توافق في وجهات النظر بين الحزب الشيوعي الصيني والحكومات في هونج كونج بدرجة كبيرة، على عكس تايوان التي يسيطر على علاقتها مع الصين عداء كامل على المستويين الشعبي والرسمي، لكن في "هونغ كونغ" فالوضع هادئ وجيد على الأقل على المستوى الرسمي.

 

 

التحدي الكبير الذي يواجه الصين منذ عام 1997 أي منذ تسلمها إدارة "هونغ كونغ"، هو الوفاء بالتزاماتها التي عقدتها مع بريطانيا وفقاً للاتفاق الذي أبرمته كشرط لخروج بريطانيا من الجزيرة وتولي الصين مقاليد الأمور، وعلى رأس هذه الالتزامات: وطن واحد، نظامان سياسيان، رأسمالي في هونغ كونغ وشيوعي في الصين.

 

هونغ كونغ قديما

 

الأمر الغريب أن "هونغ كونغ" دولة نشأت نتيجة حرب على المخدرات وهو أمر ساخر في صفحات التاريخ، وكما اشتهرت تسميتها بـ"حروب الأفيون"، بين الصين من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، في أغسطس من عام 1842 تم توقيع معاهدة "نانجينغ" بين الصين وبريطانيا والتي أنهت حرب الأفيون الأولى، ثم معاهدة "بكين" في أغسطس 1860 التي أنهت الحرب الثانية.

 

حروب الأفيون اندلعت إثر محاولات صينية للتصدي لتجارة الأفيون التي كان يمارسها تجار بريطانيون بشكل غير مشروع بين الهند والصين منذ القرن الـثامن عشر، وقد أدى انتشار الأفيون في الصين إلى الإدمان وظهور مشكلات اجتماعية واقتصادية خطيرة فقررت الحكومة الصينية مصادرة وتدمير هذا المخدر الذي كان التجار البريطانيون يخزنونه في إقليم "غوانغزو".

 


وبمقتضى شروط الاتفاقية الأولى، سلمت الصين هونغ كونغ لبريطانيا، ودفعت تعويضات كبيرة، وظلت "هونغ كونغ" تحت السيطرة البريطانية حتى أعيدت إلى الصين في عام 1997 مع استمرار احتفاظها بوضع خاص ومنحها السيادة في وضع قوانينها الخاصة ولوائحها وتشكيل حكوماتها وعقد انتخابات خاصة بها، فيما عدا ما يخص الأمن والدفاع.

 

هونغ كونغ المعاصرة

 

الأكثر غرابة هو أنه لو كانت "هونغ كونغ" قبل قرنين من الزمان دجاجة تبيض ذهباً من منظور البريطانيين، وهذا الذهب مقصود به المكاسب الهائلة المتحققة من زراعة وتوزيع وتسويق وبيع مُخدر "الأفيون"، فإنها اليوم وبعد مرور أكثر من مئتي عام أصبحت مرة أخرى دجاجة تبيض الألماس لا الذهب ولصالح الصين هذه المرة، يبدو أن صبر "بكين" كان ذا جدوى في النهاية وذلك بعد نجاح الجزيرة الصغيرة في التحول إلى مركز مالي عالمي يضم سادس أكبر سوق أسهم على الإطلاق.

 

 

ومن الناحية الاقتصادية البحتة، التزام الصين بتعهداتها بخصوص ترك مساحة من الحرية وشيء من السيادة لحكومة "هونغ كونغ" يعني مزيداً من الثقة والمصداقية للسوق هناك، والثقة هي أساس نشاط الأعمال والاستثمار الأجنبي حول العالم وهذا يعني مزيداً من النجاح والنفوذ على الاقتصاد العالمي وزيادة نسبة مساهمتها في السوق الدولي وهو ما يعني نجاحاً أيضا لـ"بكين" وليس "هونغ هونغ" وحدها، باعتبار أن الأخيرة هي جزء عضوي من جسد الأولى لا يمكن فصله.

 

 

استقبلت "هونغ كونغ" في الثلاثة أعوام الماضية تدفقات استثمارية من الخارج تُعادل إجمالي المتدفق إلى دول كبيرة مثل أستراليا أو كندا أو فرنسا بأضعاف كثيرة، وذلك بدعم من قطاعات الترفيه والكازينوهات والفندقة والضيافة إضافة إلى جاذبية سوق الأسهم والسندات ومناخ أعمال الشركات الدولية وانخفاض تكلفة الجمارك وضرائب الأرباح، كلها عوامل ساعدت على بزوغ نجم "هونغ كونغ" بعيداً عن قيود وتشديد "بكين".

 

 

احتدام الصراع

 

هذه الفترة تشهد منطقة بحر الصين الجنوبي العديد من التوترات الإقليمية المتسارعة وخاصة منذ اندلاع الحرب التجارية الأمريكية الصينية فى عهد الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب"، وزِيد الطين بلة في عهد الرئيس الجديد "جو بايدن" بفرض مزيد من العقوبات على مسؤولي وبضائع وشركات "بكين" العاملة في "واشنطن" وحتى "بروكسل".

 

 

ملخص التطورات الجيو-اقتصادية/سياسية الجارية مؤخراً بين الصين وتايوان وهونغ كونغ

2019

مارس-ديسمبر: احتجاجات كبيرة في هونج كونج ضد قانون يقضي بتسليم المطلوبين إلى البر الرئيسي "الصين"، مئات الآلاف كانوا في الشوارع، بدأ في مارس بمحاصرة مقر الحكومة وامتد لنهاية العام.

2020

استمرار مظاهرات عنيفة فى "هونغ كونغ" ممتدة من 2019 للدفاع عن الحريات العامة وكبح التدخلات الصينية.

اليابان تعلن عزمها إنشاء قاعدة عسكرية بالقرب من تايوان.

يونيو: الصين تفرض قانوناً جديداً للأمن القومي في "هونغ كونغ" يثير مزيداً من الاحتجاجات الداخلية والانتقادات الغربية.

2021

يناير: الصين تعلن وقف الاعتراف بجواز السفر البريطاني الخارجي والذي كان مخصصا لمواطني هونغ كونغ منذ عشرات السنين لوقف هجرة مواطني الجزيرة إلى بريطانيا.

مايو: بموجب قانون الأمن القومي الجديد، "هونغ كونغ" بإيعاز من البر الرئيسي في الصين، تقوم بتجمد أصول الملياردير "جيمي لاي" المؤيد للديمقراطية.

مايو: تايوان تستغل الحادث وتشير لمخاطر الاستثمار في "هونغ كونغ" وأن التجميد يهز ثقة المستثمرين الدوليين.

مايو: استطلاع للرأي أجرته غرفة التجارة الأمريكية في "هونغ كونغ" مايو الماضي، قالت فيه إن 40% من الشركات العاملة في "هونغ كونغ" تفكر في الرحيل.

مايو: "بلومبرغ" تقول إن سنغافورة وتايوان واليابان تأتي على رأس الوجهات البديلة لـ "هونغ كونغ" بعد حملات القمع والتدخل الصيني الأخيرة.

أغسطس: نحو 83% من التايوانيين ينظرون بإيجابية لليابان فى أحدث استطلاعات الرأي.

أكتوبر: الصين تقول إنها يمكن أن تستعيد تايوان بالقوة إن أرادت، ودخول نحو 150 طائرة عسكرية للمجال الجوي التايواني.

أكتوبر - وزير الدفاع تايوان: التوتر العسكري مع الصين عند أسوأ مستوياته في أكثر من 40 عاما، الصين لديها القدرة بالفعل على غزو تايوان، وستكون قادرة على القيام بغزو شامل بحلول 2025.

أكتوبر: الولايات المتحدة تعلن دعمها الراسخ لـ "تايوان" وتوجه انتقادات لبكين.

 

الخلاصة، توتر الأوضاع بين الصين وشقيقاتها الصغرى له آثار اقتصادية معقدة وتداعيات كبيرة تبدأ من الرقائق التي تدخل في صناعة كل شيء إلى الموانئ في جنوب شرق الصين إلى تدفقات الأموال إلى بيئة جاذبة وملاذ آمن للتهرب الضريبي وبورصة من أثقل وأهم البورصات حول العالم مثل "هونغ كونغ" ومؤشرها الرئيسي ذي الستة تريليونات دولار.

 

أما الحديث عن الحرب والقتال ونقل القوات وتحريك السفن واختراق الأجواء بين الدول الثلاث خاصة تايوان-والصين- فله بالتأكيد أثر سلبي على التجارة والأعمال والتصدير في هذه المنطقة الجوهرية والرئيسية للاقتصاد العالمي، تحولها من منطقة صناعية منتجة مزدهرة إلى منطقة ملتهبة مرتبكة غير مستقرة يؤثر على النمو العالمي بأكمله، وهو ما يعني تحول قصة حب الفراشتين الذي يدوم للأبد إلى كره دفين ينتهي بقتل أحدهما للآخر.

 

 

المصادر: أرقام – مركز أبحاث CFR– بلومبرغ – الأمم المتحدة UNCTAD  - جريدة ساوث تشاينا مورننج بوست –CNBC  - Economic History AssociationHANG SENG INDEX  - رويترز – جريدة Taipei TimescompaniesmarketcapBBC  - Statista– فرانس برس.

أخبار ذات صلة

0 تعليق