الحد الأدنى لضريبة الشركات متعددة الجنسيات .. هل هو إتجاه عالمي جديد؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تُجمع الضرائب منذ قديم الأزل لكن في التاريخ المكتوب إكتشف علماء المصريات أن أول آلية منظمة للضرائب وأول هيكل مؤسسي دقيق لجمع الأموال حدث فى مصر القديمة كان 3000 عام قبل الميلاد، وذلك لتمويل نفقات بناء المشروعات والبنية التحتية والجيوش، وفي مجتمع زراعي مثل المجتمع المصري القديم فكانت الضرائب تُجمع فى شكل إقتطاع حصة من محصول المزارعين وأراضيهم، وكانت تودع فى مخازن عملاقة بإشراف وإدارة مؤسسة تُسمى بـ "البيت الأبيض" الذي يُشبه مصلحة الضرائب في العصر الحالي.

 

 

إذن هذه هى الفائدة الحتمية للضرائب: تمويل نفقات أي حكومة، الآن لنسأل السؤال الأكثر أهمية: لو كانت الضرائب ضرورية للحكومة، لماذا يلجأ البعض لتخفيضها؟ للإجابة على السؤال بمثال واضح نحلق إلى مطلع القرن العشرين وتحديداً الفترة التى عاشها أحد أكثر رواد الإقتصاد شهرة وتأثيرا: "جون ماينارد كينز" في أثناء فترة الركود الكبير.

 

والإقتصادي الإنجليزي نظريته معلومة للجميع وهي أن الحكومات يجب أن ترفع من إنفاقها العام وتُخفض من نسبة الضرائب على أرباح الشركات، لكن لماذا؟ لأنها بتلك الطريقة تستطيع أن تنجو من فخ الركود، الإنفاق يضع مزيد من الأموال فى جيوب الناس ويوفر فرص عمل للعاطلين ويستعيد الإستقرار الإجتماعي ويكبح الإضطرابات السياسية، وضرائب أقل اليوم تعني مزيد من الضرائب غداً وهى نفس فكرة: سعر أقل يعني مبيعات أكثر ومن ثم ربح أكبر، لأن الشركات سوف يكون أمامها فرصة كبيرة للتوسع والنمو مع أعباء ضريبية أقل.

 

 

لكن اليوم وبعد أقل من  100 عام من تطبيقات "النظرية الكينزية" وبسبب الجائحة، يبدو أن الحكومات قد سئمت من فكرة تخفيض الضريبة على حساب الخزانة العامة، ويبدو أيضا أننا أمام نظرية ضريبية جديدة وإتجاه عالمي بدأ فى البزوغ لصالح الدولة على حساب الشركات وخصوصا العابرة للقارات.

 

العالم إكتشف أنه فى نهاية المطاف فالشركات متعددة الجنسيات هي التى إستفادت من التطبيقات الكينزية ولم تستفد الشعوب ولا الحكومات شئياً، الشركات تكسب مزيداً من الأموال وتقوم بتحويلها لدول أخرى تفرض ضرائب أقل من الضرائب المفروضة بالدول التى حققت بها هذه الأموال، وبالتالي كل سنة تدفع الشركات ضرائب أقل من السنة التى سبقتها ولم تحدث أي زيادات تُذكر تكافئ النمو فى حجم أعمال هذه الشركات.

 

وفي الثامن من أكتوبر الجاري أعلنت منظمة التعاون الإقتصاد والتنمية الـ OECD عن إتمام إتفاق عالمي وقعت عليه نحو 136 دولة من إجمالي 140 مستهدفة، يقضي بفرض حد أدنى لضريبة أرباح الشركات متعدة الجنسيات وقدرها 15% وتكون فعالة بدءا من عام 2023.

 

 

إتفاقية الـ OECD للحد الأدني من الضريبة العالمية على الشركات في نقاط موجزة

من المستهدف؟

شركات الـ MNE’s وهى الشركات متعددة الجنسيات أو Multi National Enterprises .

من المستهدف فعلا؟

شركات التكنولوجيا العملاقة – 99% منها أمريكية المنشأ – مثل أمازون وفيسبوك وألفابيت ونتفليكس ومايكروسوفت.

نسبة الضريبة؟

15 % من صافي الدخل قبل الضرائب.

عدد الدول الموقعة؟

136 دولة حتى الثامن من أكتوبر 2021.

أهم المجموعات الموقعة؟

مجموعة العشرين + مجموعة التعاون الإقتصادي والتنمية.

الفئة المستهدفة؟

المرحلة الأولى: الشركات التى تحقق إيرادات أعلى من 20 مليار يورو.

المرحلة الثانية: الشركات التى تحقق إيراد أعلى من 750 مليون يورو.

العائد المتوقع؟

150 مليار دولار سنوياً.

 

كم تربح الشركات الأمريكية؟

 

 

القشة التى قصمت ظهر البعير

 

كمثال للمشكلة التى كانت سبباً فى توقيع إتفاقية الضرائب، حين تكون شركة عالمية ضخمة الإمكانات وكبيرة الحجم يكون بمقدورك تغيير مقرات عملك بطرق سهلة وببساطة شديدة، مثلا فى بريطانيا يوجد معدل ضرائب شركات بـ 19%.

 

لو إستطاعت إحدى الشركات نقل مقر عملها إلى جزيرة صغيرة مجاورة إسمها Isle of man التى تتميز بمعدل ضريبي صفر، ثم تقوم بتحويل كل إيراد عملياتها فى بريطانيا إلى هذه الجزيرة، وهكذا لا تدفع قرشاً واحداً للدولة.

 


 

توجد مثل هذه الجزيرة عشرات الأماكن والمناطق الجغرافية التى تُخفي فيها الشركات والبنوك والمؤسسات أموالها وإيراداتها الحقيقية عن أعين الحكومات التي حققت بداخلها هذه الأموال هرباً من دفع الضريبة.

 

إستقصاء أوروبي

 

مفوضية الضرائب الأوروبية قالت فى إستقصاء سابق أعلنت نتائجه في سبتمبر الماضي عن فترة 2014 -2021، أن الملاذات الضريبية تٌخفي نحو 20 مليار يورو سنوياً من أرباح البنوك الأوروبية التى فتحت مقرات لها فى هذه الجزر والمناطق التى تتسم بعدم وجود ضرائب، وهو ما يعُادل 14% من إجمالي أرباح البنوك الأوروبية.

 

الإستقصاء وجد أيضا أن 65% من أرباح البنوك يتم تسجيلها في مكان مختلف عن الدولة التى يتواجد بها الموظفين، كما وجد أيضا أن 25% من أرباح البنوك تم تسجيلها فى دول لديها ضريبة أقل من 15%، مثلا فى هذه الجزر المعزولة تجد الأرباح تساوي 238 ألف يورو لكل موظف فى مكاتب الشركة بهذا المكان المعزول.

 

أشهر الملاذات الضريبية حول العالم حتى 2020

الترتيب

الدولة/المنطقة/المقاطعة

المؤسسات التى تصنفها فى القائمة السوداء

اليورو

صندوق النقد

أوكسفام

1

جزر كايمان

2

جزير فيرجن البريطانية

--

3

جزر برمودا

--

4

جزيرة فيرجن

--

5

جزيرة غوام

--

6

تايوان

--

--

7

جيرسي

--

--

8

جبل طارق

--

--

9

انغويلا

--

--

10

ساماوا

--

--

*بعض الدول والجزربالقائمة تفرض ضرائب لكن تظل ضرائب أقل مقارنة بغيرها لذلك تدخل قائمة الملاذات.

 

بينما فى الدولة التى تحققت فيها المبيعات والأرباح تجد الأرباح تساوي 65 ألف يورو لكل موظف، وهذا بالطبع بسبب صغر حجم الشركة فى الملاذ الضريبي مقارنة بحجمها الحقيقي فى دولة العمليات أو البلد التى حققت عبرها هذه الإيرادات.

 

دول لا توجد بها ضرائب على الشركات

الترتيب

الدولة/المنطقة/المقاطعة

1

أنغويلا

2

باهاماس

3

فانواتو

4

برمودا

5

فيرجن البريطانية

6

كايمان

7

غيرنيزي

8

آيل أوف مان

9

جيرسي

10

واليس اند فوتونا

 

 

أبرز البنوك داخل أوروبا المتورطة فى الملاذات الضريبية كانت دويتشه بنك، إتش إس بي سي، ستاندرد تشارترد، إنتيسا ساو باولو، باركليز، وتهرب هذه المؤسسات الكبيرة سواء داخل أوروبا أو غيرها من شركات التكنولوجيا فى الولايات المتحدة وقد زاد عن حده مؤخراً وبالتحديد آخر 6 سنوات وهو الأمر الذي زاد من إستفزاز الحكومات ووحدات الضرائب فى الإقتصادات الكبرى وهو ما كان بمثابة القشة التى قصمت ظهر الشركات وإنفجرت بوجهها إتفاقية اليوم.

 

أقل الدول في ضرائب شركات فى أوروبا حتى 2020

الترتيب

الدولة/المقاطعة

معدل الضريبة

1

المجر

10 %

2

مونتينغرو

3

أندورا

4

البوسنة والهرسك

5

بلغاريا

6

جبل طارق

7

كوسوفو

8

مولدوفا

12.5 %

9

قبرص

10

أيرلندا

 

تخفيض بدون فائدة!

 

حين قامت أوروبا والولايات المتحدة بالشراكة مع المؤسسات الدولية لدراسة هذه القضية لسنوات طويلة قبل إتفاقية اليوم، وجدت أنها قد خفضت سعر الضريبة بمقدار يصل إلى النصف فى آخر 30 عاماً ومع ذلك توسعت الشركات وتضخم حجم أعمالها، لكن فى هذه الأثناء بدأت ثورة التكنولوجيا ونشأة شركات التواصل الإجتماعي والمحتوى الرقمي، فتضخمت أكثر وأكثر وإستمرت التخفيضات والمزايا الضريبية، ورغم ذلك لم تدفع الشركات الضريبة العادلة.

 

 

  

 

عصر جديد

 

الخطوة الأخيرة التى أتخذتها دول الـ G20 وOECD، يجب قطعها ثم الرجوع للخلف قليلاً للنظر للصورة الأكثر شمولاً تجد أيضاً وقائع الفضيحة الأخيرة لشركة "فيسبوك" خلال إدلاء المديرة السابقة بالشركة "فرانسيس هوجين" بشهادة أمام الكونجرس في أكتوبر الجاري.

 

وقبل ذلك حملة الصين على نظرائها فى الدولة الآسيوية مثل "على بابا" و"تنسنت" وغيرها، وهي الحملة التى بدأت نوفمبر العام الماضي وتستمر حتى الآن، إضافة إلى الفضيحة الأخيرة عن تهرب مليارديرات الولايات المتحدة من دفع الضرائب العادلة بحسب تحقيق أجرته مؤسسة ProPublica يونيو الماضي.

 

 

بشئ من التدقيق نستطيع ملاحظة إتجاه عالمي جديد للتشديد ومراقبة سلوك هذه الشركات من حيث التهرب الضريبي، الإلتزامات الأخلاقية، الصحة العقلية، أمن الأطفال، حماية الأسرة وغيرها من الأهداف الجديدة التى ظهرت إستجابة للمشكلات التى تسببت بها هذه الشركات والمواقع والخدمات التى تقدمها والتصرفات اللاأخلاقية التى تتبعها دون رقيب أو مُراجع.

 

وبالتالي، فإن ما يحدث اليوم هو مجرد بداية لعصر جديد يُطل علينا بعد نحو 20 عاما من طفرة التكنولوجيا والإتصالات، هذا الصراع المفتوح بين الحكومات والقطاع الخاص قد يؤدي لمزيد من التشديد بخصوص عمليات التشغيل والمحتوى ولن يقف عند الحد الواصل إليه حتى الآن بل سيزداد أكثر خلال السنوات القادمة، وعلى الأرجح فالمستهلك النهائي سيكون المستفيد الوحيد.

 

المصادر: أرقام – OECDG20Tax Foundation  - فوربس – الإتحاد الأوروبي – بلومبرغ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق