ببساطة ودون تعقيد .. لماذا تأخرت أمريكا في رفع أسعار الفائدة؟ ومن سيتحمل ثمن "تلكؤ" الفيدرالي؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قبل ما يقرب من 15 شهرًا وتحديدًا في فبراير من عام 2021، حذر وزير الخزانة الأمريكي السابق "لورانس سامرز" صناع السياسة النقدية في الولايات المتحدة من التبعات المحتملة لخطة التحفيز الاقتصادي البالغة قيمتها 1.9 تريليون دولار والتي أعلن عنها الرئيس "جو بايدن" في سعيه لتخفيف أثار أزمة وباء كورونا على المواطنين الأمريكيين، مشيرًا إلى أن تلك الخطة قد تتسبب في ضغوط تضخمية من النوع الذي لم تشهده البلاد منذ جيل.

 

 

"خطوات نحو المجهول" هكذا وصف الوزير الأمريكي السابق حينها إقدام البيت الأبيض على رفع مستوى السيولة في أيدي المواطنين في نفس الوقت الذي يصر فيه مسؤولي الفيدرالي على الالتزام بسياساتهم النقدية المتحفظة من خلال إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بالقرب من الصفر، وذلك ليس لأنهم لا يتوقعون خروج التضخم عن نطاق السيطرة، بل لأنهم لا يتوقعوا حدوث تضخم من الأساس! أشار الرجل إلى ضرورة تحرك الفيدرالي بسرعة لتعديل السياسة النقدية لتلافي المخاطر المحتملة لمعدل التضخم الذي توقع خروجه عن نطاق السيطرة، ولكن على ما يبدو لم تلقى نصيحته أي صدى لدى الفيدرالي ومسؤوليه.

 

في نفس الوقت عبر آخرون من ضمنهم "أوليفييه بلانشارد" كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي و"جيسون فورمان" المستشار الاقتصادي للرئيس "باراك أوباما" عن مخاوفهم من التبعات المحتملة لاستخفاف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالمخاطر الحقيقية التي يشكلها معدل التضخم الذي توقعا ارتفاعه خلال 2021. ولكن كما يقول الشاعر: لقد أسمعت لو ناديت حيّا ولكن لا حياة لمن تنادي. فقد كان للفيدرالي رأيًا آخر، حيث كان يرى الأمور بشكل مختلف تمامًا.

 

الفيدرالي في عالم آخر!

 

في اجتماعهم الذي عقد في مارس عام 2021، توقع أعضاء اللجنة الفيدرالي للسوق المفتوحة (FOMC) – المسؤولة عن قرارات السياسة النقدية بمجلس الاحتياطي الفيدرالي – استقرار معدل التضخم في الولايات المتحدة خلال عام 2022 عند مستوى يساوي أو يقل عن 2%، كما اتفقوا على أنه لا حاجة لرفع أسعار الفائدة الرئيسية في البلاد إلا بعد نهاية عام 2023، أي بداية من عام 2024. الإطلاع على محضر هذا الاجتماع والاجتماعات اللاحقة للجنة خلال نفس العام يثير مزيج السخرية والاستغراب، والأهم من ذلك يثير التساؤل المنطقي التالي: كيف فشل الفيدرالي في الانتباه للخطر الذي حذر منه الجميع؟

 

 

قبل نهاية 2021، وتحديدا في شهر ديسمبر ارتفع معدل التضخم في الولايات المتحدة ليصل إلى 7% مسجلًا بذلك أعلى مستوى له في 40 عامًا أو منذ يونيو 1982، وذلك ارتفاعًا من 6.8% في الشهر السابق. حدث ما توقع الفيدرالي عدم حدوثه، ولكن المشكلة الأخطر من التوقع هو التعاطي المتأخر جدا مع الأزمة. فعلى الرغم من الاتجاه الصعودي الواضح الذي أخذه معدل التضخم في الأشهر الأخيرة من 2021، تلكأ الفيدرالي بشكل غريب في تعديل سياساته النقدية، ولم يبدأ في التحرك إلا في نهاية الربع الأول من 2022، بعد أن زادت الأمور تعقيدًا عقب غزو روسيا لأوكرانيا.

 

في منتصف مارس الماضي، تحرك الفيدرالي أخيرًا لمعالجة مشكلة التضخم التي تعاني منها الولايات المتحدة، من خلال رفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ عام 2018 بواقع 25 نقطة أساس أو 0.25% لتصل إلى النطاق الممتد بين 0.25% و0.5%، مشيرًا إلى احتمال رفعها 6 مرات أخرى على مدار العام، بواقع 25 نقطة أساس للمرة الواحدة. ولكن يبدو أن الرفع بمقدار 25 نقطة أساس لم يكن كافيًا لتهدئة معدل التضخم، فقرر الفيدرالي في اجتماعه في مطلع الشهر الجاري رفع سعر الفائدة للمرة الثانية على التوالي بواقع 50 نقطة أساس، وهو أكبر معدل رفع للفائدة في آخر 22 عاما.

 

الفيدرالي يضرب ولا يبالي!

 

يحاول الفيدرالي الآن اللحاق بقطار غادر المحطة بالفعل منذ زمن. وعن هذا يقول "آلان بليندر" نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي سابقًا، إن مسؤولي الفيدرالي تركوا أنفسهم حتى تخلفوا وراء المنحنى أكثر مما ينبغي، وهذا يعني أن عليهم الآن السير بشكل أسرع وأكثر عدوانية مما كانوا سيفعلوه لو بدأوا في التحرك في وقت أبكر من ذلك. وهذا نفس ما قالته "ليليانا سواريز" الزميلة في مركز التنمية العالمية، والتي أشارت إلى أن كثير من المشاكل الحالية كان من الممكن تلافيها لو تصرف الفيدرالي بسرعة حين بدأ كل شيء العام الماضي.

 

المشكلة الآن هي أن الفيدرالي يضرب ولا يبالي، حيث إن رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة بهذا الحجم وهذه الوتيرة يضغط على اقتصادات الأسواق الناشئة التي تجد صعوبة في الشهور الأخيرة في خدمة ديونها وتوفير وارداتها من السلع الأساسية في ظل استمرار المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد العالمي خلال أخر ثلاث سنوات في التعقد أكثر وأكثر. فهناك اليوم أزمة كورونا التي لم يتم تجاوز تبعاتها بعد، وأزمة الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة سلاسل الإمداد، وأزمة قطاع الشحن، وأزمة أسعار الطاقة المرتفعة، وأزمة تعطل المصانع الصينية في ظل إغلاق البلاد، وأخيرًا وليس أخرًا أزمة رفع الولايات المتحدة لأسعار الفائدة.

 

 

رفع الولايات المتحدة لأسعار الفائدة في نفس الوقت الذي تسيطر فيه حالة من عدم اليقين على حاضر ومستقبل الاقتصاد العالمي، يساهم بشكل مباشر في انسحاب أصحاب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة ونزوحهم نحو الأسواق المتقدمة وفي القلب منها الولايات المتحدة، وهو ما يدفع الأسواق الناشئة تلقائيَا لرفع أسعار الفائدة للحفاظ على قدرتها في الحصول على الائتمان وجذب رؤوس الأموال، وفي نفس الوقت يضع مزيدًا من الضغوط المالية عليها، مما يهدد استقرار بعضها.

 

يحذر البنك الدولي من أن 10% تقريبًا من 70 دولة منخفضة الدخل في العالم تتعامل بالفعل مع أعباء ديون لا يمكنها تحملها، فيما يتعرض 50% من تلك الدول لخطر بأن يكونوا في وضع مماثل قريبًا. باختصار 60% من الدول منخفضة الدخل تواجه الآن خطر التورط في أزمة ديون في أي لحظة، وهو ما حذرت من تبعاته مديرة صندوق النقد الدولي "كريستالينا جورجيفا". أما "مارسيلو إستيفاو" المسؤول البارز بالبنك الدولي فقد حذر من احتمال عجز 12 دولة نامية عن سداد ديونها العام المقبل.

 

بعد سريلانكا .. الدور على من؟

 

في مارس الماضي، وعد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي "جيروم باول" بأن هناك خطة لهندسة عملية "إنزال سلس" (Soft Landing) لمعدل التضخم تضمن تحجيم مخاطر رفع أسعار الفائدة بهذه الوتيرة المتسارعة لحدها الأدنى، ولكن المشكلة في هذه التصريحات هي أنها تغفل السجل غير المثير للإعجاب لمحاولات الفيدرالي السابقة لهندسة عمليات "إنزال سلس" مشابهة.

 

أخر محاولة مثلا كانت في منتصف التسعينات، وكانت نتيجتها مؤسفة بالنسبة لعديد من الدول النامية. انظر على سبيل المثال إلى  ما حدث للمكسيك. في الفترة ما بين فبراير 1994 وفبراير 1995 رفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بنحو 300 نقطة أساس مما تسبب إلى جانب عوامل أخرى في انهيار البيزو المكسيكي وتورط المكسيك في فخ الركود الذي لم تخرج منه إلا بمساعدة خطة إنقاذ دولية حاولت الحيلولة دون تخلفها عن سداد ديونها في ميعادها.

 

 

في أبريل الماضي أعلنت سريلانكا تخلفها عن سداد ديونها التي ارتفعت تكلفة خدمتها بشكل كبير خلال الشهور الماضية، مفضلة إنفاق ما تبقى لديها من حيازات دولارية على توفير الغذاء للشعب، لتصبح أول دولة تتخلف عن سداد ديونها هذا العام، ولكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة، خصوصًا وأن هناك اليوم 13 دولة ناشئة على الأقل يتم تداول سنداتها بفائدة أعلى من الفائدة الأمريكية بما لا يقل عن ألف نقطة أساس أو 10%، وذلك ارتفاعًا من فارق يبلغ 6% فقط قبل عام.

 

هذا الفارق من المرجح أن يتسع خلال الشهور القادمة، في ظل عزم الفيدرالي الأمريكي على السيطرة على معدل التضخم في البلاد من خلال رفع أسعار الفائدة بوتيرة متسارعة، بغض النظر عن التبعات المحتملة لتلك السياسة على الدول ضعيفة ومتوسطة الدخل الغارقة حتى أذنيها في الديون. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل هو ذنب الفيدرالي أم ذنب الدول الناشئة التي لم تعد نفسها جيدًا لتلك اللحظة؟

 

المصادر: أرقام – واشنطن بوست – بلومبرج – فاينشيال تايمز – وول ستريت جورنال – مجلس الاحتياطي الفيدرالي – ذي إيكونوميست – نيويورك تايمز

أخبار ذات صلة

0 تعليق