رغم انكماشه لربعين متتاليين .. لماذا لا تعترف أمريكا بركود الاقتصاد؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

على الرغم من أن التعريف القياسي المختصر للركود الاقتصادي هو أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي لدولة ما انكماشا لربعين متتاليين، فإن الحكومة الأمريكية لم تعلن انزلاق الاقتصاد في براثن الركود بعد أن سجل انكماشا في الربعين الأول والثاني من العام بواقع 1.6 بالمئة و0.9 بالمئة على الترتيب، وحتى وسائل الإعلام الأمريكية والغربية في مجملها تجنبت بشكل شبه كامل توصيف ما حدث بأنه ركود اقتصادي في تجاهل تام للمعيار الفني الشائع الذي يطبق بشكل تلقائي على أي دولة أخرى دون انتظار.

 

الأسباب ملتبسة، فالبعض يقول إن الإعلان الرسمي للركود في الولايات المتحدة منوط بلجنة من لجان المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية دون غيرها، بينما يقول آخرون إن ثمة أجزاء من الاقتصاد تنمو بقوة على الرغم من التراجع في الناتج المحلي، فيما يتعلل آخرون بأن السبب ربما يكون سياسيا في ظل تراجع معدلات التأييد للرئيس الأمريكي جو بايدن.

 

 

لجنة الثمانية... ما هي وكيف تعمل؟

 

المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية "NBER"، وهو مؤسسة غير ربحية وغير حزبية، هو الذي يحدد رسميا ما إذا كان الاقتصاد في حالة ركود رسمي وهو ما حدث بالفعل في يونيو 2020 حين قال إن الاقتصاد الأمريكي أنهى أطول فترة نمو له في التاريخ في فبراير من العام نفسه ودخل في ركود بسبب جائحة فيروس كورونا.

 

ويختص بإصدار القرار داخله لجنة مكونة من ثمانية خبراء هم نخبة من الأكاديميين المخضرمين، وكثيرا ما قال أعضاء منهم إن تعريف التضخم المستند إلى انكماش الاقتصاد هو تعريف مبسط وربما مضلل.

 

وبالطبع فإن لإعلان الركود تأثيرا كبيرا على الأسواق والسياسة في الولايات المتحدة. لذا فإن اللجنة التي تضم ستة رجال وامرأتين، ويرأسها "روبرت هول" الأستاذ بجامعة ستانفورد البالغ من العمر 78 عاما يمكن أن تتعرض لانتقادات قياسية إذا امتنعت عن الإعلان سريعا عن الركود خاصة في ظل تحذيرات مستمرة من خبراء اقتصاديين منذ شهور أن الاقتصاد الأمريكي بصدد مواجهة حالة ركود.

 

لكن مراقبين يقولون إن اللجنة، التي تأسست من خارج الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في عام 1978 على يد مستشار للرئيس الأسبق "رونالد ريجان" ورئيس المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية "مارتين فيلدشتاين" عادة ما تبذل قصارى جهدها لإبقاء السياسة خارج نطاق التأثير على عملها.

 

وتجتمع اللجنة سرا ولا تعلن اجتماعاتها بشكل مسبق أو حتى في وقت لاحق ما لم يصدر بيان صحفي يعلن قرار الركود رسميا.

 

وعلى الرغم من أن اللجنة قد تستغرق في المعتاد عاما لكي تتخذ قرارا بشأن إعلان أن الاقتصاد في ركود، فإن بعض القرارات مثلا اُتخذت في غضون بضعة أشهر بينما استغرقت قرارات أخرى للجنة ما يقرب من ضعف تلك المدة. ويكون ذلك دائما بعد أن تعترف وول ستريت بوجود ركود وعلى نطاق واسع.

 

وعلى مدى تاريخها الطويل لم تتراجع اللجنة عن قرارها قط.

 

وتضم اللجنة بين أعضائها "كريستينا رومر" رئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأسبق باراك أوباما و"روبرت جوردون" مؤلف أحد أشهر الكتب تأثيرا في مجال الاقتصاد والذي يتنبأ بمستقبل قاتم للنمو في الولايات المتحدة في القرن المقبل.

 

وكان من بين الأعضاء السابقين باللجنة "بن برنانكي" الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الاتحادي و"جريج مانكيو" كبير الاقتصاديين في البيت الأبيض في عهد الرئيس "جورج دبليو بوش" وفيلدشتاين الذي توفي عام 2019.

 

ويقول "جيفري فرانكل" الأستاذ بجامعة هارفرد في وصفه أعضاء اللجنة إنهم مزيج من الاقتصاديين الذين لعبوا أدوارا سياسية مهمة في أربع إدارات رئاسية على الأقل ومجموعة مثقفة بعيدة عن الاحتكاك مع الشارع.
 

التركيز على الاقتصاد فقط



ويقول "فرانكل": إن المجموعة تركز بشكل صارم على البيانات الاقتصادية وإن السياسة مسألة خارج حساباتها تماما. وأضاف "فرانكل" الذي عمل في اللجنة في الفترة من 1993 إلى 2019 باستثناء عدة سنوات عمل خلالها مع إدارة كلينتون: "يعود الفضل لـ "مارتين فيلدشتاين" و"جيم بوتيربا" في أنه لم تكن هناك هجمات سياسية على اللجنة". ويترأس "بوتيربا"، وهو أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية.

 

ولا يحاول المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية تحديد توقيت لإعلان الركود لتجنب أي تأثير على الانتخابات مثلا، قائلا إن تحديد التوقيت من شأنه دعم جانب على حساب آخر. وأعلنت المجموعة عن الركود الذي وقع في 2020 بعد بضعة أسابيع فحسب من انخفاض كبير للناتج المحلي وخسارة 22 مليون وظيفة.

 

ومنذ الحرب العالمية الثانية، شهد الاقتصاد الأمريكي حالتي انكماش استمرتا من ستة أشهر إلى 18 شهرا لكن الركود خلال ما اصطلح على تسميته بالكساد الكبير مثلا استمر 43 شهرا وذلك في عام 1929.

 

وتتبنى اللجنة تعريفا مختلفا للركود فهي ترى أن الركود هو أن يشهد الاقتصاد تراجعا ملحوظا في النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات يستمر لأكثر من بضعة أشهر ويبرز أثره على مؤشرات الإنتاج، والعمالة، والدخل الحقيقي، وخلافه.

 

ولذلك فإنها تبحث عادة عن تراجع كبير في النشاط على مدى فترة طويلة مستمرة وتحدد عادة توقيتات بلوغ النشاط الاقتصادي الذروة وكذلك القاع استنادا إلى ست سلاسل بيانات شهرية تشمل بيانات العاملين في القطاعات غير الزراعية والإنفاق على الاستهلاك الشخصي والإنتاج الصناعي.

 

كما أنها تضع في الاعتبار متوسط الناتج المحلي الإجمالي إلى الدخل المحلي الإجمالي، وهو معيار أقل متابعة، وكان قد سجل قراءة إيجابية في الربع الأول من العام.

 

 

وتستخدم اللجنة في المعتاد ثلاثة معايير رئيسية هي مدى سرعة انكماش الاقتصاد، وكم عدد القطاعات الاقتصادية المتراجعة، ولكم من الوقت ينكمش الاقتصاد.

 

وعادة ما تصدر اللجنة تعريفا لحالة الركود على أنه الوقت بين نقطة توقف فيها الاقتصاد عن النمو، أو نقطة الذروة، والنقطة التي بدأ عندها النمو مرة أخرى، أو نقطة القاع.

 

وقال "فرانكل" إنه خلال فترات النمو الطويلة مثل التسعينات، فإن اللجنة قد تمضي سنوات دون عقد اجتماع، ويقوم الأعضاء فقط بتبادل المكالمات التليفونية أو رسائل البريد الإلكتروني مع قيامهم بتحديث الأسئلة الشائعة على الموقع الإلكتروني للمكتب.

 

وكقاعدة يقول "هول" الذي يقود اللجنة، إنه لا يعلق على البيانات الاقتصادية وإنه لم يسبق أن نما إلى علمه أن اللجنة امتنعت عن إعلان الركود في أي وقت سابق بعد انكماش الناتج المحلي الإجمالي في قراءتين متتاليتين.

 

قراءات مختلفة لنفس البيانات

 

 

يرى بعض المحللين أن اللجنة قد تكون على صواب فيما يتعلق بتعريفها الركود في حين يخالفها البعض الرأي في ظل قراءة مختلفة لنفس البيانات.

 

يعلل المؤيدون للجنة رأيهم بأنه من الصعب تحديد حالات الركود نظرا لأن الاقتصاد الأمريكي كبير ومتعدد الجوانب. وأنه في الوقت الحالي مثلا تنمو بعض قطاعات أو أجزاء الاقتصاد الأمريكي بسرعة مثل سوق العمل بينما يتباطأ البعض الآخر مثل الإسكان.

 

فبالنظر إلى سوق العمل، يبلغ معدل البطالة 3.6 بالمئة وهو بالقرب من أدنى مستوياته في نحو نصف قرن. كما أن الأجور ترتفع بالرغم من أنها لا تصعد بنفس وتيرة التضخم، في حين جرى توظيف 2.7 مليون شخص في النصف الأول من العام.

 

ويرون أنه على الرغم من أن الركود يتزامن مع انكماش الاقتصاد لفصلين متتاليين، إلا أن ذلك لا يشمل النمو الفائق للوظائف الذي شهده الاقتصاد الأمريكي هذا العام. ويقولون إنه من النادر أن يحدث الركود عندما تنخفض البطالة، إذ إنه من الصعب تصور وجود ركود إذا كان لدى كل من يريد وظيفة تقريبا ما يريد.

 

بالإضافة إلى ذلك، ينطوي الركود عادة على انخفاض في الدخل المحلي الإجمالي الحقيقي، والذي يشبه الناتج المحلي الإجمالي لكنه يقيس عادة الدخل والتكاليف المتعلقة بالإنتاج على وجه التحديد. ومن الناحية النظرية، يجب أن يتحرك الأمران معا، لكن الدخل المحلي الإجمالي مستمر في النمو.

 

مقياس آخر للنمو هو الدخل الشخصي، الذي كان يرتفع معظم العام وزاد بشكل أسرع من الإنفاق في مايو. ويراقب مجلس الاحتياطي هذا المقياس عن كثب بسبب قدرته على التنبؤ، كما يفعل ذلك المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، بجانب البطالة.

 

أبرز مثال على القراءات المختلفة لذات البيانات كان أداء الربع الأول للاقتصاد الأمريكي.

 

فعلى الرغم من تسجيل الاقتصاد انكماشا فإن العديد من المؤشرات كانت تبرهن على أن الاقتصاد ما زال ينمو.

 

وقال اقتصاديون لدى "بلومبرج" إن المنهجية التي تتبعها لجنة الثمانية جيدة، وإن الانكماش في الربع الأول يعود بشكل أساسي إلى قوة الواردات نتيجة للطلب القوي، بعد التباطؤ في تكوين المخزونات، بسبب مزيج من اختناقات الإمدادات وبناء فائق للمخزونات في الربع الأخير من العام الماضي، وإنه من الصعب تفسير ذلك الانكماش على أنه انكماش مدفوع بالضعف.

 

أما في الربع الثاني، فكانت هناك نقاط مشرقة وأخرى قاتمة. فتقرير الناتج المحلي يظهر أن الاستهلاك زاد قليلا وأن استثمارات الشركات مستقرة، لتتجنب الانخفاض الذي كان متوقعا في السابق.



كما يرى خبراء أن انخفاض الاستثمار في قطاع العقارات السكنية 14 بالمئة منطقي بالنظر إلى ارتفاعه الكبير منذ أن أدى وباء كورونا إلى قلب سوق الإسكان رأسا على عقب. بالإضافة إلى ذلك ربما كان للانخفاض في استثمارات القطاع الخاص في المخزونات، وهو مقياس لمقدار ما أنتجته الشركات من منتجات لم تبعها بعد، التأثير الأكبر على الأرقام السلبية المسجلة للربع الثاني. وعلى الرغم من أن خفض المخزونات يمكن أن يكون مؤشرا على القوة من بيع المنتجات، فإنه أدى إلى سلب الناتج المحلي الإجمالي نقطتين مئويتين.

 

لكن في الوقت نفسه، انهارت ثقة المستهلك كما أن التضخم يسبب مصاعب حقيقية حتى بالنسبة لأولئك ممن لديهم وظائف، كما أن سوق الإسكان التي كانت تظهر نشاطا فائق القوة في الماضي تتراجع سريعا في بعض المناطق، فضلا عن أن أسواق الأسهم تتقلب على أقل تقدير.

 

وضع اقتصادي غير مسبوق

 

بالتأكيد يبدو الوضع الحالي غير مسبوق، فقد أدى فيروس كورونا إلى اضطراب الاقتصاد العالمي بطريقة لم يسبق لها مثيل. وهذا الاضطراب ما زال يلقي بظلاله. فالتضخم الأمريكي عند أعلى مستوى في 41 عاما، وهناك حروب دائرة في مناطق رئيسية في إنتاج السلع الأولية، وثمة تباطؤ للنمو الاقتصادي، ويقلص مجلس الاحتياطي الاتحادي المعروض النقدي بعد سنوات من انخفاض أسعار الفائدة. في الوقت ذاته فإن سوق الوظائف بحالة طيبة كما أن إنفاق المستهلكين، وهو المحرك الأكبر للاقتصاد الأمريكي، يسير على نحو جيد على الأقل حاليا.

 

هذا الوضع المضطرب دفع "بول كروجمان" الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" لوصف الوضع بـ "الاقتصاد المخادع"، ويقول إن الأرقام بالنسبة له ليست ذات دلالة، بل ويرى أن الأمر ربما يتطلب الدخول في ركود حتى نفهم ماذا يحدث.

 

السياسة في الاقتصاد

 

 

يروج "بايدن" ومسؤولو إدارته لما يقولون إنها نقاط قوة للاقتصاد من بينها استمرار التوظيف وأن معدل البطالة عند أدنى مستوى في 50 عاما، وأن شركات الصناعة ما زالت تضخ استثمارات.

 

كما أن "جيروم باول" رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي و"جانيت يلين" وزيرة الخزانة الأمريكية يطرحون منذ فترة قناعة رئيسية وهي أن الولايات المتحدة بمقدورها تجنب الركود، مثلما يقولون طوال الوقت إن التضخم مؤقت خلافا لما يحدث في الحقيقة، وقد يفعلون ذلك مرة أخرى متقبلين حقيقة الركود. فكلاهما حريص على الترويج لفكرة أنه من الممكن أن يشهد الاقتصاد فتورا في النشاط دون أن يندفع إلى الاتجاه المعاكس، ما يسمي بـ "الهبوط الناعم".

 

ولدى أحدث اجتماع لمجلس احتياطي الاتحادي الأسبوع الماضي، عندما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة 75 نقطة أساس وسئُل "باول" مرارا وتكرارا عما إذا كانت الولايات المتحدة في حالة ركود أم أنها تتجه إلى حالة ركود، قال إنه لا يعتقد أن الولايات المتحدة في حالة ركود، ولكنه ويا للغرابة، قال إنه يتوقع أن تؤدي زيادة أسعار الفائدة إلى إبطاء الاقتصاد وإضعاف سوق العمل. ومن المؤكد أن هذا سيبدو ركودا بالنسبة للبعض.

 

يرى البعض أيضا أن العامل السياسي له ثقل في إعلان حالة الركود، ويقولون إنه حينما يكون الجمهوريون في السلطة فيمكنك الرهان على أن الديمقراطيين سيصفون أي تراجع في الناتج المحلي الإجمالي على مدى ربعين بأنه ركود.

 

وفي اتهام مباشر، نشرت شبكة "فوكس نيوز" الأمريكية تقريرا اتهمت فيه وسائل الإعلام الأمريكية وعلى رأسها صحيفتا "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" وحتى شبكة "سي إن إن" بتجاهل التصريح بوقوع الولايات المتحدة في ركود بعد صدور بيانات الربع الثاني من العام، وقالت إن العديد من وسائل الإعلام تبنت رؤية إدارة "بايدن" وتروج لتعبير المخاوف من الركود بدلا من الاعتراف بأن الولايات المتحدة تمر بالفعل بركود حقيقي.

 

وقالت فوكس نيوز إن الاعتراف بحالة الركود يمثل بالتأكيد نبأ سيئا للديمقراطيين في الولايات المتحدة في ظل اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة واتهمت صحفيي هذه المؤسسات بالتغاضي عن الاعتراف بالركود مجاملة لـ"بايدن" وحزبه.

 

وكان استطلاع للرأي أجرته وكالة رويترز وإيبسوس في الآونة الأخيرة أظهر أن معدل التأييد العام لـ"بايدن" انخفض إلى 36 بالمئة وهو مستوى قياسي، فيما تصدر الاقتصاد قائمة المخاوف لدى المقترعين في ظل ارتفاع أسعار البنزين والأغذية ونفقات السكن.

 

ووجد الاستطلاع الوطني أن 59 بالمئة من الأمريكيين لا يوافقون على أداء بايدن الوظيفي. وكان معدل تأييده يبلغ أقل من 50 بالمئة منذ أغسطس من العام الماضي، وانخفض من 39 بالمئة قبل أسبوع إلى المعدل الحالي البالغ 36 بالمئة.


 

المصادر: أرقام- رويترز- بلومبرج- فوكس نيوز- الجارديان- THECONVERSATION

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق