الدب الروسي يسعى لكسر هيمنة الدولار الأمريكي .. فرص النجاح واحتمالات الفشل

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أعلنت روسيا دراستها شراء عملات دول صديقة مثل الصين والهند وتركيا للاحتفاظ بها ضمن صندوق الثروة الوطني، بعد أن خسرت قدرتها على شراء الدولار واليورو بسبب العقوبات التي يفرضها الغرب على موسكو جراء الحرب مع أوكرانيا.

 

وقال البنك المركزي الروسي ضمن تقرير عن سياسته النقدية للفترة بين 2023 و2025، إن وزارة المالية الروسية تعكف على دراسة إمكانية تطبيق آلية لإعادة رفد صندوق الثروة الوطني، البالغ حجمه نحو 155 مليار دولار، بعملات للدول الصديقة من اليوان والروبية الهندية والليرة التركية وغيرها.

 

وتسعى موسكو منذ وقت طويل لفك ارتباط اقتصادها بالدولار، العملة الأقوى عالميا، لكنها كثفت جهودها في هذا الصدد منذ بدء الحرب الأوكرانية كرد فعل على العقوبات الأمريكية الأوروبية من خلال تعزيز علاقاتها بما سمّته بالدول الصديقة وتوجيه تعاملاتها التجارية بعيدا عن الشركاء التقليديين في أوروبا سواء على مستوى تجارة الطاقة وعلى الأخص النفط أو الغاز أو التجارة غير النفطية.

 

 

وحتى من قبل الحرب، فإن الروبل الروسي احتل حيزا معتبرا من التعاملات التجارية بين روسيا وشركائها التجاريين، ففي 2021، تمت تسوية 53.4 % من جميع المدفوعات من الهند إلى روسيا بالروبل بينما استحوذ الدولار على 38.3 % فقط. وعلى الجانب الروسي، فإن اليوان مثلا استحوذ على ثُلث عمليات تسوية المدفوعات من روسيا إلى الصين في نفس العام.

 

وخلال ثلاثة أشهر فقط من اندلاع الحرب، حتى نهاية مايو، حصدت روسيا 24 مليار دولار من بيع الطاقة إلى روسيا والصين، وذلك بزيادة 13 مليار دولار مقارنة مع نفس الفترة من 2021.

 

كما ارتفع حجم التجارة بين روسيا ودول مجموعة البريكس 38 % ليبلغ 45 مليار دولار في الربع الأول من العام الجاري.  

 

وفرضت موسكو على الدول المستوردة للغاز السداد بالروبل الروسي، وكشفت تقارير عن أنها تحاول تحصيل مقابل بيع بعض نفطها إلى عملاء في الهند بالدرهم الإماراتي.

 

وقال "أليكسي زابوتكين" النائب الأول لمحافظ البنك المركزي الروسي إن السيولة في تداولات اليوان أمام الروبل تقترب من مستوى تداولات اليورو أمام الروبل في بورصة موسكو .وفي النصف الأول من العام الجاري فقط، ارتفع متوسط حجم التداول اليومي لليوان بأكثر من 12 مِثلا وفقا للبورصة.

 

واشترت روسيا في السابق الدولار واليورو لإمداد صندوقها الوطني للثروة الذي تحول إليه فائض عائدات النفط، لكنها لم تطرق الأسواق سعيا لعملات أخرى. وأوقفت مشترياتها اليومية من العملات الأجنبية للصندوق في أوائل 2022 في ظل تزايد تقلب الروبل.

 

والصندوق الوطني الذي تديره وزارة المالية هو جزء من الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي التي تشمل اليوان أيضا، والتي تبلغ 640 مليار دولار لكن نصفها تقريبا مجمد بسبب العقوبات الغربية.

 

محاولات روسيا بالطبع لكسر هيمنة الدولار العملة الأقوى في العالم ليست جديدة، ففي 2009، دعت روسيا والصين إلى عملة عالمية جديدة، على صورة عملة احتياطي يطورها صندوق النقد الدولي تكون منفصلة عن الدول الفردية وقادرة على أن تظل مستقرة في المدى الطويل، وبالتالي تزيل أوجه القصور الناتجة عن استخدام العملات الوطنية المستندة إلى الائتمان.

 

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال قبل أشهر في قمة دول بريكس التي تضم روسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا والبرازيل، إن روسيا جاهزة لتطوير عملة احتياطي عالمي جديدة بجانب الصين وبقية دول بريكس مضيفا أن العملة الجديدة ستستند إلى سلة عملات من الدول الأعضاء.

 

المساعي امتدت أيضا إلى القطاع الخاص وأسواق الدين، فقد قامت شركة إنتاج الألومنيوم الروسية "يونايتد كو روسال إنترناشونال" المدرجة في هونج كونج وموسكو بجمع أربعة مليارات يوان من بيع أول سندات مقومة باليوان في روسيا.

 

ووفقا لتقديرات بنك "جازبروم بنك" فإن حجم اليوان المتدفق على النظام المصرفي الروسي يبلغ في المتوسط 10-15 مليار يوان شهريا منذ فبراير، حين اندلعت الحرب في أوكرانيا، إذ أصبح المستوردون الروس أكثر استعدادا لتسوية التجارة مع الشركات الصينية باليوان.

 

الدولار في الاحتياطيات العالمية .. نجم ربما يتجه للأفول!

 

 

على الرغم من أن الدولار يحكم سيطرته على الاقتصاد العالمي، فإن نصيبه من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية بلغ 58.8 % من إجماليها البالغ 12.9 تريليون دولار في الربع الأخير من العام الماضي، وبذلك فإن حصة الدولار هي الأدنى في 20 عاما وانخفضت من نحو 70 % قبل عقدين وتراجعت من 59.2 % في الربع الثالث من العام الماضي.  

 

وخلصت دراسة بحثية صادرة عن معهد بروكينجز إلى أن 25 بالمئة من الحصة المفقودة للدولار على مدى العشرين عاما الماضية ذهبت إلى اليوان الصيني، فيما ذهب 75 بالمئة إلى العملات الاحتياطية غير التقليدية كالفرنك السويسري والدولارين الكندي والأسترالي والوون الكوري الجنوبي.

 

وكشفت بيانات لصندوق النقد الدولي عن أنه في نهاية العام الماضي، باتت روسيا منفردة تحتفظ بنحو ثلثي الاحتياطيات العالمية من اليوان الصيني.

 

كانت "غيتا غوبيناث" النائبة الأولى لمدير صندوق النقد الدولي قد حذرت قبل سابق من أن فرض عقوبات على روسيا قد يقوض هيمنة الدولار الأمريكي ويحفز تبني العملات الرقمية.

 

وأضافت أن هناك إشارات على أن بعض الدول تعيد بالفعل التفاوض بشأن العملات التي تخصصها للسداد في مدفوعات التجارة العالمية. كما أن تكتلات صغيرة للعملات بين بعض الشركاء التجاريين بدأت في الظهور. ومع تراكم احتياطيات الدول من تلك العملات التي تستخدمها للتجارة، فإنها ستلعب دورا أكبر مما سيضعف هيمنة الدولار.

 

ويحتفظ أكثر من 70 بنكا مركزيا ببعض اليوان كعملة احتياطية، كما تستخدم العديد من البلدان الإفريقية وبعض دول الشرق الأوسط العملة الصينية بانتظام في المعاملات وفقا لما قاله "بايتشو تشين" أستاذ التمويل واقتصادات الأعمال في جامعة جنوب كاليفورنيا.

 

عراقيل في الطريق

 

 

على الرغم من جهود روسيا والصين لتقليص الارتباط بالدولار، فإن الواقع يشير إلى أن الطريق ما زالت طويلة خاصة أن الدولار يستمد قوته من الاقتصاد الأمريكي أكبر اقتصاد في العالم.

 

ففي المدفوعات الدولية، ما زال الدولار واليورو يهيمنان على ثلاثة أرباع تلك التعاملات بواقع 40.51 % و36.65 % على الترتيب في 2021. فيما جاء اليوان في المركز الرابع بحصة قدرها 2.7 % في التعاملات على شبكة سويفت المالية العالمية. وغابت الروبية الهندية تقريبا عن المراكز العشرين الأولى للعملات الدولية في نظام المدفوعات العالمي.

 

كما تشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن الدولار سيطر على نحو 88 % من تعاملات البيع والشراء للصرف الأجنبي العالمية في 2019 في استقرار تقريبا على مدى العشرين عاما السابقة.

 

وكانت ورقة بحثية أصدرها مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي في أكتوبر كشفت عن أن نحو 60 % من الأصول والالتزامات الدولية بالعملات الأجنبية، وتحديدا الأصول والمطالبات، على الترتيب مقومة بالدولار. وهذه الحصة أيضا مستقرة منذ عام 2000

.

وفي التجارة، فإن نحو 40 % من التعاملات العالمية في السلع تسدد بالدولار. وبلغت التجارة العالمية مستوى قياسيا عند 28.5 تريليون دولار في 2021 وفقا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.

 

كما يشير خبراء إلى عراقيل تعترض المسعى الروسي تتعلق بالعملات المستهدفة ذاتها، منها عدم كفاية السيولة من تلك العملات وكذلك المخاطر المحتملة المحيطة بها، فالتضخم في تركيا على سبيل المثال قفز إلى نحو 80 % في يونيو وهو أعلى مستوى في 24 عاما.

 

المصادر: أرقام- رويترز- نيكي آسيا- فايننشال تايمز- ستاتيستا- Markets Insider

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق