من أوروبا إلى آسيا .. انقطاعات في الكهرباء وسط أزمة طاقة لم يسبق لها مثيل

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يعاني العالم، من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، أزمة طاقة لم يسبق لها مثيل؛ فإمدادات الكهرباء باتت شحيحة جراء عوامل متعددة، تأتي على رأسها الحرب الروسية الأوكرانية التي دفعت أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، لكن ذلك ليس كل شيء.

 

ففي آسيا، وتحديدا الصين، وهي من الدول الصديقة لموسكو والتي عززت بالفعل مشترياتها من الهيدروكربون الروسي، ثمة مشكلة كبيرة أيضا دفعت بكين للانزلاق إلى أزمة كهرباء امتدت من المصانع إلى المنازل مما أثار المخاوف بشأن الإمدادات من كبرى مراكز التصنيع في العالم.

 

الوضع الصعب في أوروبا

 

في أوروبا، التي تطبق أغلب دولها إجراءات صارمة لترشيد الكهرباء، يبدو المشهد مخيفا في ظل الاقتراب من فصل الشتاء حيث يرتفع استهلاك الوقود والكهرباء من أجل التدفئة، في الوقت الذي تمارس فيه روسيا الضغط على القارة العجوز باستخدام سلاح الغاز، وفي الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الكهرباء والوقود لمستويات قياسية بسبب الحرب على أوكرانيا والعقوبات على روسيا والتأثيرات الممتدة لأزمة كورونا. 

 

 

وأوروبا، مثلما كانت عليه في السبعينيات في خضم أزمة النفط الشهيرة، مستورد صافٍ للنفط والغاز. وارتفعت أسعار الغاز الأوروبية القياسية 550 بالمئة على مدى الاثني عشر شهرا الماضية. وزادت تكلفة الطاقة للمستهلكين في بريطانيا على سبيل المثال 80 بالمئة مقارنة مع أكتوبر مما قفز بمتوسط فواتير الأسر للطاقة إلى 4188 دولارا. بينما زادت أسعار الكهرباء في ألمانيا للعام القادم، والتي تشكل المؤشر القياسي لأوروبا، لفترة وجيزة فوق مستوى ألف يورو (999.80 دولار) للميجاواط/ساعة قبل أن تنخفض إلى 840 يورو (839.69 دولار).

 

وقال "فابيان رونينغن" المحلل لدى ريستاد إنرجي "هذا ليس طبيعيا على الإطلاق. تلك الأسعار تصل لمستويات الآن كنا نعتقد أننا لن نراها على الإطلاق".

 

تشكل موسكو رقما مهما في المعادلة الأوروبية، فهي تورد عادة نحو 40 بالمئة من إمدادات الغاز الأوروبية والتي يأتي معظمها عبر خطوط الأنابيب، والتي أعلنت موسكو أن أبرزها وهو نورد ستريم 1 والذي ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، سيخضع لصيانة في الفترة من نهاية أغسطس وحتى الثاني من سبتمبر، مما يثير مخاوف أوروبا إذا امتد توقفه عن العمل لأكثر من ذلك.

 

وخفضت روسيا تدفقات الغاز عبر الخط إلى 40 بالمئة من طاقته في يونيو وإلى 20 بالمئة في يوليو. وقلصت الإمدادات أيضا إلى عدة دول أوروبية منها بلغاريا والدنمارك، وفنلندا، وهولندا، وبولندا. وحين أغلقت موسكو خط الأنابيب الحيوي لمدة عشرة أيام في يوليو، خشي الكثير من السياسيين في أوروبا من أنه لن يعمل مجددا. وحين استأنفت روسيا ضخ الغاز، فإن الكميات الواصلة كانت أقل بكثير عن السابق.

 

يأتي هذا فيما تضافرت عوامل الطبيعة لتزيد الضغط على أوروبا، فالتغير المناخي زاد الأمر سوءا، إذ أدت موجة حرارة قياسية إلى إجبار الأوربيين على استخدام أجهزة تبريد الهواء في قارة كانت تتسم على الدوام باعتدال الطقس في الصيف والبرودة القارسة في الشتاء. وبالتبعية أدى الارتفاع التاريخي لدرجات الحرارة إلى جفاف الأنهار في أوروبا مما أدى إلى تقلص الطاقة الكهرومائية المولدة من السدود وغيرها.

 

وتتعرض 60 بالمئة من أراضي أوروبا إلى الجفاف حاليا وفقا لمرصد الجفاف الأوروبي. وسجلت أنهار رئيسية شهيرة في ألمانيا وإنجلترا وإيطاليا انخفاضا في مستوى مياهها. وفي الفترة الماضية، اضطرت دول مثل فرنسا وإسبانيا إلى تقييد استهلاك المياه.

 

وحتى الطاقة النووية، التي تورد 70 بالمئة من الكهرباء في فرنسا، تواجه مشكلات تتعلق بانخفاض الإنتاج، بسبب جفاف الأنهار التي تستخدم مياهها عادة في تبريد المفاعلات، مما يرفع أسعار الطاقة.

 

يرى البعض أيضا أن أسباب الأزمة ترجع إلى عوامل أساسية أكثر عمقا، فوفقا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، بلغت الاستثمارات في إمدادات الوقود الأحفوري عالميا 1.3 تريليون دولار في 2014، لكنها انخفضت بواقع النصف تقريبا إلى 680 مليار دولار بحلول 2020. وبينما ارتفع الاستثمار العام الماضي، فإنه ظل أقل من مستويات ما قبل جائحة كورونا.

 

 

يعني ذلك أن العثور على بديل لإمدادات النفط والغاز الروسية أمر صعب. فروسيا تهيمن على 8 بالمئة من تجارة النفط عالميا و25 بالمئة من صادرات الغاز و18 بالمئة من صادرات الفحم. وعلى الرغم من أن روسيا تواصل ضخ المزيد من الإمدادات إلى العالم، فإنه وفقا لمركز بحثي فنلندي، انخفضت أحجام صادرات الوقود الأحفوري الروسية 22 بالمئة عن ذروتها في مارس كما انخفضت المبيعات من الغاز عبر خطوط الأنابيب بواقع 50 بالمئة.

 

"بنك أوف أمريكا" أطلق جرس إنذار، محذرا من أن أسواق الطاقة الأوروبية بلغت درجة الغليان إذ ارتفعت أسعار الغاز والكهرباء إلى مستويات جديدة غير متحملة من حيث التكاليف، قائلا "كل الدلائل تشير إلى أزمة طاقة حقيقية في أوروبا".

 

وأشار التقرير إلى ضرورة تدخل الحكومات الأوروبية بشكل أكبر، مضيفا أن أسعار الطاقة الحالية لا يمكن تحملها بدون مساعدة حكومية، متنبئا في الوقت ذاته بأنه لا نهاية في الأفق للأزمة في ظل ترسخ الحرب في أوكرانيا.

 

الوضع في الصين

 

في الصين، يبدو المشهد معقدا، فعلى الرغم من أن بكين تعزز وارداتها من النفط والغاز الروسي مستوعبة كل ما تضن به روسيا على أوروبا، فإن البلاد تشهد أزمة عنيفة في قطاع الكهرباء ترجع إلى التغير المناخي.

 

فالبلاد تشهد أسوأ موجة حرارة منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1961. وأدت الحرارة المفرطة إلى جفاف في أجزاء من جنوب الصين مما خفض مستويات المياه في محطات توليد الكهرباء بالسدود. وسجل نهر يانغتسي، الأطول في آسيا، واثنتان من أكبر بحيرات المياه العذبة في حوضه وهما دونغتينغ وبويانغ مستويات انخفاض تاريخية لمستويات المياه ومن المتوقع أن يستمر هذا. كما جفت عشرات الأنهار ومناطق تجمع المياه في المنطقة.

 

ومنذ منتصف يوليو، ارتفع الحمل الكهربائي في الصين بسبب الطلب على تكييف الهواء خلال ذروة موسم الصيف. وفي يوليو، زاد استهلاك الكهرباء 6.3 بالمئة على أساس سنوي بينما قفز استهلاك المنازل 26.8 بالمئة وفقا لبيانات لجنة الطاقة الوطنية. وحطمت 19 شبكة كهرباء على مستوى الأقاليم في الصين الأرقام القياسية لأحمال الكهرباء وبالطبع استمر ذلك الارتفاع في أغسطس.

 

 

وكانت مقاطعة سيتشوان، جنوب غربي الصين، أحد أبرز الأمثلة تضررا من الأزمة. فقد أصدرت المقاطعة أعلى تحذير طارئ بشأن الطاقة للحد من نقص الكهرباء، وهو الأول في تاريخ المقاطعة الغنية بمصادر المياه. ويعني التحذير أن السكان سيمنحون الأولوية في الحصول على إمدادات الكهرباء.

 

وسيتشوان معروفة بوفرة الطاقة الكهرومائية، التي توفر 80 بالمئة من احتياجاتها، وهي ممر وصل رئيسي في مشروع نقل الكهرباء من غرب إلى شرق الصين الرئيسي. كما أنها في 2021 جاءت في المركز السادس بين المقاطعات الصينية من حيث إجمالي الكهرباء المولدة. وهي الأولى في إنتاج الطاقة الكهرومائية تليها مقاطعة يونان.

 

لكن بسبب موجة الحرارة الاستثنائية انخفض إنتاج محطات الطاقة المائية من الكهرباء في أغسطس إلى نصف ما كانت تنتجه في نفس الوقت من العام الماضي.

 

وأدى ذلك إلى وقف المقاطعة الشهيرة إمدادات الكهرباء للمصانع واضطرت شركات عالمية لوقف الإنتاج هناك بينما تعمل محطات الكهرباء التي تعتمد على الفحم بأقصى طاقتها لتعويض النقص، وأثر ذلك سلبا على النشاط الاقتصادي في المقاطعة التي تضم مصانع للمنتجات الكيماوية والمكونات الإلكترونية وبطاريات الليثيوم والبولي سيليكون وحتى الألومنيوم. وسيتشولن مركز مهم لصناعات بطاريات السيارات الكهربائية والمكونات الإلكترونية لأشباه الموصلات والألواح الشمسية وأجهزة الكمبيوتر.

 

وعلى الرغم من ذلك، فإن المدن في أنحاء المقاطعة واجهت صعوبات في تلبية الطلب المتزايد من السكان على الطاقة، إذ تأثرت الحياة اليومية بسبب الحرارة المرتفعة مما أدى إلى زيادة استخدام مكيفات الهواء والمياه. ليس هذا فحسب وإنما تأثرت سلبا الأنشطة الصغيرة والمتوسطة في المراكز التجارية والمطاعم وغيرها من ترشيد استهلاك الكهرباء مما أدى إلى قطع الكهرباء يوميا لفترات تصل إلى سبع ساعات.

 

الأمر كان محسوسا في كامل أنحاء البلاد بعد ذلك، إذ تأثرت سلبا أنشطة الشركات في مناطق كثيرة وتضررت سلاسل الإمدادات. وارتفعت أسعار المواد الأولية مثل السيليكون بسبب القيود على إمدادات الكهرباء بينما ثمة قلق متنام من نقص مكونات السيارات في شنغهاي في شركات من بينها "شنغهاي أوتوموتويف اندستري كوربوريش" و"تسلا".

 

بالطبع الأزمة في الصين لها أبعاد مختلفة، فبكين أكبر ملوث عالمي للمناخ مما يجعلها عرضة لانتقادات وضغوط كبيرة لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن استهلاك الوقود الأحفوري وخاصة الفحم وهو ما يمثل أزمة للصين، ثاني أكبر اقتصاد عالمي ومركز ثقل اقتصادي وتصنيعي عالمي مع سكان يصل تعدادهم إلى 1.4 مليار شخص.

 

في الوقت ذاته، فإن الصين شديدة التأثر بتغير المناخ وخاصة الرياح الموسمية ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في انحاء العالم، فقد تواجه المزيد من مظاهر قسوة الطقس. كما يواجه قطاع الطاقة في الصين مشكلات هيكلية منها أن الاستثمار لا يعادل النمو في استهلاك الكهرباء.

 

ففي 2021، انخفض معدل النمو المركب للاستثمار في البنية التحتية للكهرباء في الصين 2.7 بالمئة مقارنة مع 2018، فيما نما استهلاك الكهرباء بمعدل مركب مرتفع بلغ 6.7 بالمئة وفقا لشركة "ايسنس سيكيوريتيز" المالية الصينية.

 

وبينما ما زال الوقود الأحفوري، على الأخص الكهرباء المولدة من حرق الفحم، يشكل معظم مزيج الطاقة في الصين، فإن الاستثمار يتحول سريعا إلى الطاقات المتجددة مثل الشمس والرياح. وقد يساعد هذا الانتقال الصين على تلبية أهدافها لمكافحة تغير المناخ، لكن المصادر المتجددة توفر إمدادات متقطعة من الكهرباء مما يجعل من الصعب توفير طاقة الحمل الأساسية للكهرباء اعتمادا عليها.

 

المصادر: أرقام- رويترز- سي إن إن بزنس- الجارديان- فورتشن- ساوث شاينا مورنينج بوست

أخبار ذات صلة

0 تعليق