"الأرباح فقط" .. هل مازالت أفكار "ميلتون فريدمان" عن الرأسمالية صالحة لعصرنا الحالي؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

"مَن يتحدثون بهذه الطريقة هم بمثابة دمى طيعة لتلك القوى التي تحاول تقويض أسس المجتمع الحر خلال العقود الماضية".. هكذا وصف "ميلتون فريدمان" الاقتصادي الشهير هؤلاء الذين يدعون الشركات إلى التحلي بـ"المسؤولية الاجتماعية" في مقال نشره عام 1970 في "نيويورك تايمز".

 

و"فريدمان" اقتصادي حائز على جائزة "نوبل" في الاقتصاد عام 1976 حول دور المعروض من النقود في التأثير على التضخم والنمو واستقرار العرض والطلب ومستويات الأسعار، وهي نظرية مؤثرة للغاية في تحركات البنوك المركزية في وقتنا الحالي، ولذلك يصنفه كثيرون بين أكثر المفكرين الاقتصاديين تأثيرًا في التاريخ.

 

 

بعد 50 عامًا من الأطروحة

 

رفض "فريدمان" في أطروحته في الجريدة الأمريكية الشهيرة تحميل الشركات أي مسؤولية فيما يتعلق بمكافحة التلوث أو تشجيع التوظيف أو التصدي للعنصرية، معتبرًا أن المسؤولية الوحيدة للشركات هي تجاه حملة الأسهم أو ملاك الشركات أي أنها تتمثل في تحقيق الأرباح والوسع في رأس المال.

 

وبعد 50 عامًا على مقالته يتهمه كثيرون بالمسؤولية عن إرساء فترة طويلة من الرأسمالية "القاسية"، والتي تسعى لتحقيق الربحية دونما اعتبار لغيرها من المعايير، وهو ما عرف لاحقًا بـ"مبدأ فريدمان"، والذي تسبب في تسريح عمالة من الكثير من الشركات الأمريكية وانتهاك المعايير البيئية وحقوق العمال.

 

ويرى كثيرون أن مبدأ "فريدمان" تراجع كثيرًا في الأونة الأخيرة بفضل وجود درجة أعلى من الوعي بقضايا إنسانية على سبيل المثال، ومن ذلك ما تشير إليه دراسة لجامعة "ستانفورد" الأمريكية حول شركة "نايكي" الأمريكية التي كادت تغلق أبوابها بسبب اعتمادها على عمالة الأطفال في تصنيع الملابس في تسعينيات القرن الماضي.

 

فبسبب ما انتشر حول توظيف الشركة لعمالة أطفال في شرق آسيا في ظروف قاسية تجعلهم يعملون 16 ساعة يوميًا انطلقت حملات مقاطعة شعبية واسعة للشركة، حتى تشير الدراسة إلى أنها خسرت 70% من مبيعاتها في ظرف عامين فحسب (الفترة الزمنية الطويلة بسبب عدم وجود وسائل التواصل الاجتماعي حينها ولكن حملات مشابهة يمكن أن تحقق تأثيرًا في عصرنا الحالي).

 

فبمفهوم "فريدمان" كانت إدارة "نايكي" تتصرف بشكل صحيح من منطلق التزامها بتعظيم الأرباح على حساب أي عنصر آخر ولكن هذا كاد "يودي بالشركة" كما تصف دراسة "ستانفورد" التي تشير إلى أنها كانت تعاني في هذه المرحلة فقط من أجل توفير الأجور الأساسية للعاملين فيها.

 

 

دعم السود وحرب أوكرانيا

 

ومن ذلك أيضًا قرار شبكة "نتفليكس" قبل عامين بأن تخصص نسبة من دخلها باستمرار في دعم أقلية السود في الولايات المتحدة، وبدأت بذلك عام 2020 بتخصيص 100 مليون دولار للمجتمعات السمراء، وذلك بعد مواجهتها اتهامات بعدم تمثيل تلك الأقليات في أعمالها بالشكل الملائم.

 

بل وقام المدير التنفيذي لشبكة التلفزيون الشهيرة حينها "رييد هاستينج" بالتبرع للمجتمعات السمراء بمبلغ 120 مليون دولار أيضًا.

 

ومن أشهر الأمثلة على تراجع مبدأ "فريدمان" المواقف التي اتخذتها الشركات الغربية تباعًا بالانسحاب من السوق الروسي على الرغم من أن هذا سيلحق بها خسائر اقتصادية، ولعل أبرزها إعلان "بريتيش بتروليوم" أنها ستخسر 25 مليار دولار على الأقل كتعويضات لصالح روسيا ولكنها اختارت الانسحاب مع ذلك استجابة للحملات المحلية القوية للغاية غربيًا للمطالبة بانسحاب الشركات الغربية من روسيا.

 

ولا يتعارض ما قامت به تلك الشركات مع مبدأ "فريدمان" فحسب، لكنه أيضًا يعتبر مناقضًا لمقولة "آدم سميث" والتي اعتبر فيها "هؤلاء الذين يعملون لأجل المصلحة العامة في الظاهر" محل شك باستمرار لأنه يجب عليهم أن يعملوا فقط لصالحهم أي لتظيم الربحية، إذ أصبح العمل وفقًا لمعايير حقوق إنسان أو معايير بيئية أو غيرها عنصر تسويق وجذب تستخدمه الشركات.

 

كما يتناقض هذا مع اعتبار "فريدمان" بأن الشركات بوصفها شخصيات اعتبارية ليس عليها أي مسؤولية سوى تجنب خرق اللوائح والقوانين متسائلًا عما إذا كان من الجائز لمدير تنفيذي لشركة أن يقرر إنفاق نقود الشركة في الأعمال الخيرية، أو تقليل أرباحها لمراعاة البيئة، ويقول "كيف لشخص أن ينفق نقود آخرين (ملاك الشركة أو المساهمين) وفقًا لاختيارته حتى وإن كانت أخلاقية؟".

 

آثار مدمرة لمبدأ "فريدمان"

 

ولكن وجود بعض المسؤولية لدى بعض الشركات لم يكن قائمًا باستمرار، فمبدأ "فريدمان" جاء في فترة استقطاب شديدة بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، بما جعله يبدو من الناحية السياسية مواليًا للغرب ومناهضًا للاتحاد السوفيتي الشيوعي، وظهر ذلك بصورة أوضح في كتابه "الرأسمالية والحرية" والتي اعتبر أن الأولى بمثابة ركيزة أساسية للثانية.

 

 

بل ويشير البعض إلى تأثير كتابات "فريدمان" على بعض مسؤولي الدول وليس الشركات فحسب، ومن ذلك اعتماد أفكاره في جزيرة "ناورو" الصغيرة في المحيط الهادي، والتي قرر مسؤولوها استخراج الفوسفات باستمرار لزيادة أرباح المواطنين ولرفع نسبة النمو الاقتصادي بما أدى لتحول 80% من مساحة الجزيرة إلى أرض غير مأهولة وغير صالحة للسكن وتبدل النمو السريع للغاية سابقًا إلى معاناة اقتصادية بسبب الآثار البيئية للتعدين المكثف حاليًا.

 

ومن ضمن الأزمات التي سببها سعي الشركات المحموم للربحية فحسب هو فقدان البرازيل لحوالي 20% من مساحة غاباتها، وأبرزها الأمازون، وسط تقارير عن استفادة أكثر من 200 شركة غربية من الاستخدام غير العادل للغابات البرازيلية، بما يشكل مساهمة مباشرة في ظاهرة الاحتباس الحراري بإزالة وسائل مكافحته.

 

مواقف أم أخلاقية أم سعي "مختلف" للربحية

 

والشاهد هنا أن النظر إلى الربحية المباشرة فقط في عصرنا الحالي يعد قاصرًا، فانسحاب الشركات الغربية من السوق الروسي جاء بوصفه "موقفًا أخلاقيًا" من الغزو، لكنه في واقع الأمر جنّب تلك الشركات خسائر أكبر حال استمرارها في السوق الروسي في ظل بدء حملات مقاطعة في الأسواق الغربية للشركات الباقية في روسيا.

 

كما أن إنفاق شركة مثل "ألفابيت" (جوجل) لمليارات الدولارات منذ عام 2015 (حوالي 10 مليارات دولار) على المشاريع البيئية أتى بأثره على تدعيم النظرة إلى الشركة كداعمة للبشر وهو ما سوّقته الشركة أيضًا من خلال نظم العمل المرنة لديها، ولا شك أن في هذا الأمر تدعيمًا لموقف الشركة بشكل يفوق أي إعلانات يمكن لعملاق البحث القيام بها.

 

 

ويذكر بحث لجامعة شيكاغو واقعة قتل فيها 20 شخصًا وأصيب فيها 23 آخرون في إطلاق نار في مدينة "الباسو" في الولايات المتحدة، وتحديدًا في أحد فروع سلسلة "وول مارت" الشهيرة لتجارة التجزئة، حيث دخل رجل مسلح مرتديًا أزياء شبه عسكرية ليطلق النار على مرتادي المتجر.

 

وبعدها قررت سلسلة المحلات اتخاذ موقف من قضية خلافية للغاية في المجتمع الأمريكي وهي حمل السلاح، حيث قررت عدم تقديم خدماتها لأي شخص يحمل السلاح أو يرتدي أزياء عسكرية أو شبه عسكرية (غير النظامية بالتأكيد).

 

وعلى الرغم من أن هذا الموقف قد يناقض مبادئ "فريدمان" إلا أنه أفاد المتجر الذي انخفضت مبيعاته بعد الواقعة بنسبة 3.3%، ولكن مع إقراره تلك القواعد عادت المبيعات للارتفاع بنسبة 2.8% بما جعل المبيعات تنخفض بنسبة 0.5% فحسب بعد هجوم قد تكون آثاره أكبر من ذلك بكثير في المعتاد.

 

وبذلك يبدو أن مبدأ "فريدمان" تراجع نظريًا في عصرنا الحالي، بزيادة المسؤوليات الاجتماعية للشركات ولكن هذا أتى فقط كنوع من "التطور" مع المجتمعات، وتلتزم به حتى شركات النخبة الكبيرة بالمساهمة "الصغيرة" في الحملات البيئية مثلا أو الخاصة بحقوق العاملين.

 

وتبقى الصورة العامة أن الشركات تبقى حريصة على الربح والتوسع كهدف وحيد -كما أقر "فريدمان"- والدليل على ذلك استمرار التدهور البيئي "وتفاقمه" ومعاناة العمال من تراجع حقوقهم حول العالم، ليبدو أن حامل جائزة "نوبل" عبّر صراحة عما يفعله كثيرون مستترون.

 

المصادر: أرقام- نيويورك تايمز- بحث لجامعة ستانفورد- فورتشن- كتاب "الرأسمالية والحريةCapitalism and Freedom – كوربرت فيانانس انستيتوت

أخبار ذات صلة

0 تعليق