هل تسير "ليز تراس" على خطى " تاتشر" في مواجهة تحديات الاقتصاد البريطاني؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بعد منافسة طويلة مع وزير المالية السابق "ريتشي سوناك"، تمكنت "ليز تراس" من الفوز بزعامة حزب المحافظين الحاكم لتصبح ثالث امرأة تتقلد منصب رئيسة الوزراء في المملكة المتحدة، في انتظار تعيينها رسميًا غدًا الثلاثاء من قبل الملكة إليزابيث الثانية لتكون خلفًا لرئيس الوزراء "بوريس جونسون".

 

ورغم أن فوزها بذلك المنصب يحقق طموحها السياسي الذي طالما سعت له على مدار سنوات، إلا أنها لن تتمتع به كثيرًا بالنظر إلى أنها تتولى المنصب وسط فترة اقتصادية مضطربة للغاية، تشبه إلى حد كبير فترة ولاية رئيسة الوزراء الراحلة "مارجريت تاتشر".

 

"تاتشر"، تلك المرأة الحديدة - التي طالما علقت "تراس" على اعجابها بها - استطاعت قيادة المملكة المتحدة للخروج من ركود اقتصادي وأزمة تضخم خلال الثمانينيات من خلال خفض الضرائب وسن بعض التشريعات التنظيمية، فهل تسير "تراس" على نفس النهج في مواجهة التحديات الاقتصادية الحالية؟

 

 

تحديات داخلية وخارجية

 

على "تراس"  مواجهة تحديات عديدة عليها التعامل معها بشكل سريع لتجنب كارثة اقتصادية وشيكة، جزء منها يرتبط بالخارج  بما في ذلك؛ تداعيات الحرب في أوكرانيا على الاقتصاد وأمن الطاقة، بالإضافة إلى التداعيات المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

 

والجزء الآخر داخلي، بما يشمل ارتفاع تكاليف المعيشة، وبعض المسائل الخاصة بخدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، إلى جانب مشكلات الهجرة والشؤون الداخلية، والتعامل مع تغييرات المناخية والتحول إلى الطاقة النظيفة.

 

بريطانيا بين تضخم جامح وركود وشيك

 

تقف رئيسة الوزراء القادمة أمام اقتصاد مُعرض لاحتمالية الدخول في ركود مربك  في وقت لاحق من هذا العام، مع ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوياته في 40 عامًا، مسجلًا 10.1% في يوليو كأعلى معدل تضخم سنوي بين مجموعة الدول السبع.

 

كما أن التوقعات المستقبلية ليست في صالح "تراس"، إذ يتوقع "جولدمان ساكس" أن يواصل التضخم الارتفاع بما قد يتجاوز 20% في وقت مبكر من العام المقبل إذا لم تنخفض أسعار الغاز، ما يعزز مخاوف استمرار انهيار الجنيه الإسترليني الذي تراجع بالفعل بنحو 8% مقابل الدولار خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

 

وأثناء محاولة البلاد للتعامل مع التضخم من خلال قيام بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة وتشديد السياسة النقدية، يظهر خطر جديد يتعلق بسوق العمل ونقص العمالة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويساهم في زيادة القلق حيال متابعة ركود اقتصادي وشيك.

 

ذلك بالإضافة إلى أن التخفيضات الضريبية أو زيادة الإنفاق من شأنه أن يضع مزيدًا من الضغط على عجز الميزانية البريطانية في وقت يقترب فيه الدين العام من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي تقف "تراس" وحيدة مع القليل من الخيارات لمواجهة خطر الركود التضخمي.

 

  

خفض تكاليف الطاقة "أولوية اقتصادية"

 

ورغم مخاوف الركود، تتمثل الأولوية الاقتصادية الواضحة بالنسبة لـ"تراس" في خفض الضرائب، وهي خطوة تصر على أنها ستدعم الاقتصاد المتعثر وتساعد الأسر في تحمل ارتفاع فواتير الطاقة، أملًا منها بأن يستجيب الاقتصاد بمثل ما حدث سابقًا في الثمانينات، إذ أنها وعدت بإلغاء الزيادة الأخيرة في التأمين الوطني وإلغاء نظيرتها المقررة في ضريبة الشركات، بتكلفة مجمعة تبلغ حوالي 30 مليار جنيه إسترليني سنويًا.

 

ولكن مع استمرار وجود عوامل خارجية تقود الأزمة، هناك شك كبير في استجابة تكاليف الطاقة للتخفيضات الضريبية، والتي من شأنها أن تفيد أصحاب الدخول المرتفعة بشكل غير متناسب، بينما لن تفعل شيئًا لمن يعتمدون على المعاشات التقاعدية على سبيل المثال.

 

ومع ذلك، لا يزال هناك فرصة لتقديم مساعدة مباشرة للأسر والشركات في مواجهة تكاليف الطاقة بما في ذلك إمكانية اتجاهها لتجميد فواتير الطاقة المنزلية في إطار خطة أعدها مسؤولون حكوميون تستهدف سد الفجوة بين الأسعار الحالية والزيادة المتوقعة في أسعار الكهرباء التي قد تصل إلى 80% اعتبارا من شهر أكتوبر.

 

الشؤون الداخلية للبلاد

 

بين العديد من القضايا المحلية، تعتبر الرعاية الصحية والاجتماعية، إلى جانب الهجرة والشؤون الداخلية أحد أهم الأمور التي ركزت عليها "تراس" في حملتها الإنتخابية.

 

وقد وعدت "تراس" بعكس ارتفاع التأمين الوطني بهدف توفير النقد أولاً للمساعدة في تسهيل إجراءات الرعاية الصحية الوطنية المتأثرة بسبب انتشار جائحة "كوفيد-19"، وثانيًا لتوفير رعاية اجتماعية أفضل على المدى الطويل.

 

ومع ذلك فهي لم تقدم جميع الإجابات بشأن الرعاية الاجتماعية، إذ ترجع الكثير من مشاكل سيارات الإسعاف المتأخرة إلى أن أسرّة المستشفيات مكدسة بغير القادرين على الحصول على الرعاية الاجتماعية، وبالتالي ستحتاج "تراس" إلى خطة واضحة قريبًا.

 

أما عن الهجرة والشؤون الداخلية، وعدت "تراس" خلال حملتها بمضاعفة سياسة ترحيل طالبي اللجوء وغيرهم من المهاجرين، والبحث عن دول أخرى ستستقبلهم، ويبقى أن نرى مدى إمكانية تحقيق ذلك، أو امكانية مساهمة ذلك في التأثير على عدد الأشخاص الذين يدخلون البلاد بوسائل غير رسمية.

  

  

السياسة الخارجية والبريكست

 

مع الوضع في الاعتبار أن "تراس" كانت وزيرة الخارجية البريطانية منذ عام 2021 وحتى موعد توليها منصب رئيسة الوزراء رسميًا، فمن المرجح أن تُبقي على سياستها الخارجية التي سارت عليها في عهد "جونسون"، والتي تتشابه إلى حد ما مع تلك الخاصة بـ"تاتشر"، حيث  اتفقت الاثنتان على محاربة الوقوف في وجه روسيا.

 

وبالتالي، من المتوقع مشاهدة المزيد من الدعم القوي لأوكرانيا، ما يتضمن تزويدها بالأسلحة ومواصلة خطابها المناهض لروسيا، الأمر الذي من شأنه زيادة تدهور العلاقات السياسية بين البلدين.

 

أما فيما يتعلق بالبريكست، لا تزال هناك بعض المسائل العالقة في علاقة بريطانيا وإيرلندا الشمالية، وقد ألمحت "تراس" سابقًا إلى أنها قد تفعّل "المادة 16" في اتفاق ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي من شأنها السماح لأي من الطرفين باتخاذ إجراء من جانب واحد عند مواجهة صعوبات اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية خطيرة.

 

ومع ذلك، يستبعد وزير الخارجية الأيرلندي "سيمون كوفيني" اتجاه رئيسة الوزراء إلى هذه الخطوة، حيث يرى أنها كانت لديها سابقًا فرصة لفترة طويلة لاتخاذ هذه الخطوة، ولم تفعل.

 

وبالفعل، يبدو أن كراهية "تراس" لتفعيل هذه المادة زادت في الأيام الأخيرة، خاصة بعد اكتشاف أن منتجي الصلب البريطانيين سيتعين عليهم دفع تعريفة تصل إلى 25% لبيع بعض منتجات البناء في أيرلندا الشمالية عند تفعيل ذلك البروتوكول، مما قد يدفعها إلى اللجوء إلى المزيد من المفاوضات لإيجاد حل وسط .

 

وبالنظر إلى حجم التحديات التي تواجهها رئيسة الوزراء الجديدة فهي في موقف لا تحسد عليه، رغم جميع خططها ومقترحاتها التي تعتمد عليها وترى أنه يمكنها ابعاد الاقتصاد البريطاني من خطر الركود، إذ أن مواجهة الواقع مختلفة إلى حد كبير، وبالتالي فإن المستقبل هو ما سيبين هل تنجح "تراس" حقًا في أن تصبح المرأة الحديدة الجديدة أم لا.

 

المصادر: أرقام - بي بي سي - الجارديان - بلومبرج - رويترز

أخبار ذات صلة

0 تعليق