سوق الغاز تشتعل .. وأوروبا تواجه اختباراً قاسياً الشتاء القادم

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تشهد أسعار الغاز الطبيعي عالميا فورة محمومة من الزيادات، دفعتها قرب أعلى مستوى في 14 عاما تقريبا بفعل الحرب الروسية الأوكرانية وسط تقلبات عنيفة سجلت خلالها العقود البريطانية للتسليم في اليوم التالي لبيع الغاز بالجملة زيادة 133 بالمئة خلال إحدى جلسات الأسبوع الجاري، بعد أن علقت روسيا إمدادات الغاز المتدفقة إلى ألمانيا عبر خط أنابيب "نورد ستريم 1" إلى أجل غير مسمى.

 

التحرك الروسي الصادم دفع أسواق الأسهم والعملة الأوروبية الموحدة للهبوط، خاصة في ظل تباين التوقعات بشأن المشهد خاصة في الشتاء حيث يرتفع الاستهلاك من أجل التدفئة، على الرغم من المساعي التي يبذلها العالم الغربي لمكافحة هذا الاشتعال غير التقليدي في إحدى أكبر أسواق الطاقة في العالم.

 

وارتفعت بالفعل أسعار الغاز القياسية الأوروبية بواقع 550 بالمئة على مدى اثني عشر شهرا وحتى نهاية أغسطس الماضي.

 


 

ويورد خط "نورد ستريم 1"، الذي يمتد تحت بحر البلطيق إلى ألمانيا، نحو ثلث الغاز الروسي المصدر إلى أوروبا، بيد أنه يعمل بنحو 20 بالمئة فقط من طاقته حتى قبل أن تعلن روسيا وقف الإمدادات عبره لحاجته إلى أعمال صيانة.

 

وقلصت روسيا بالفعل نحو 75 بالمئة من إمداداتها الغازية إلى أوروبا منذ بداية العام حتى قبل وقف خط "نورد ستريم1".

 

بالطبع لنقص الغاز تأثيرات عدة على القارة المتعطشة للطاقة والتي تعتمد على الاستيراد بشكل كبير، لكن بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك مثل الأسمدة والألومنيوم كانت الأكثر تأثرا وبالفعل قلصت العديد من الشركات في هذا المجال إنتاجها. بينما تكابد الصناعات الأخرى التي تعاني بالفعل جراء نقص في الرقائق وأزمة اللوجستيات من ارتفاع صاروخي في فواتير الطاقة.

 

وكانت وثيقة اطلعت عليها "رويترز" أظهرت أن وزراء الطاقة في الاتحاد الأوروبي من المقرر أن يجتمعوا في التاسع من سبتمبر للنظر في خيارات لكبح أسعار الطاقة المرتفعة منها وضع سقف لأسعار الغاز وتوفير خطوط ائتمان طارئة للشركات في سوق الطاقة.

 

توقعات متباينة

 

يتوقع الكثيرون في سوق الغاز أن تظل الأسعار مرتفعة على مدى العامين المقبلين أو ربما أكثر.

 

وترى وحدة الأبحاث لدى "سيتي بنك" أن أسعار الغاز القياسية الأوروبية في مركز "تي تي اف" الهولندي قد ترتفع إلى 120 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، من متوسط 70 دولارا في الوقت الحالي، في شتاء العام الجاري بفعل طقس شديد البرودة والمزيد من قطع الغاز الروسي.

 

لكنها أضافت أنه إذا جاء الشتاء القادم مشابها لأبرد شتاء في الثلاثين عاما الماضية، فإن الأسعار قد تزيد إلى نطاق 150 دولارا. وتقول المذكرة الصادرة عن الوحدة إنه يبدو أن ثمة احتمالا كبيرا بأن تبقى صادرات "نورد ستريم 1 "عند الصفر لفترة أطول، أو عند المستويات الدنيا، بالنظر إلى الاعتبارات السياسية في كل من روسيا والغرب.

 

وأشارت إلى أن ترشيد الاستهلاك يمكن أن يساعد في تخفيف تأثير انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي.

 

على الجانب الآخر، ترى وكالة التصنيف الائتماني "فيتش" أنه على الرغم من أن وقف تدفقات الغاز عبر "نورد ستريم 1" جاء مبكرا أربعة أشهر عما توقعته في السابق إلا أن أوروبا استعدت لهذا الاحتمال.

 

 

وقال محللو الوكالة "خطة الاتحاد الأوروبي، مدعومة بزيادة إمدادات الغاز البديلة، على الأخص الواردات القياسية من الغاز المسال، وخفض استهلاك الغاز 15 بالمئة في 2023 مقارنة مع 2021، يجب أن يساهم في تجنب نقص حاد".

 

لكن "فيتش" أشارت أيضا إلى أنه ما زالت هناك الكثير من عوامل الضبابية التي تحيط بالعرض والطلب للغاز في الاتحاد الأوروبي مثل درجات الحرارة وإمدادات الغاز المسال وتطور الحرب في أوكرانيا.

 

صحيح أن أوروبا شهدت حالة من الارتياح المؤقت بفعل امتلاء مخزوناتها من الغاز بنسبة 80 بالمئة الأسبوع الماضي وهو الهدف الذي كان من المفترض في الأصل أن تحققه في نوفمبر، فيما بلغت مخزونات الاتحاد الأوروبي 82 بالمئة وفقا لبيانات البنية التحتية الأوروبية للغاز، وتمتلئ مخزونات ألمانيا، أكبر مستهلك للغاز في أوروبا، بنسبة 86 بالمئة، إلا إن "كلاوس مولر" رئيس وكالة تنظيم شبكات الطاقة الاتحادية في ألمانيا كان قد حذر في أغسطس من أنه حتى لو كانت مخزونات الغاز لدى الوكالة ممتلئة بنسبة 100 بالمئة فإنها ستفرغ بالكامل في غضون شهرين ونصف الشهر إذا توقفت إمدادات الغاز الروسي تماما.

 

يساور القلق المحللين أيضا بشأن التدفقات عبر أوكرانيا وعبر خط أنابيب "ترك ستريم" مستقبلا. وتقلص روسيا الكميات التي تضخها عبر كييف والواصلة إلى شرق أوروبا منذ بداية الصراع معها. وقال "جيمس هوكستيب" محلل الغاز لدى "ستاندرد آند بورز جلوبال بلاتس" في تغريدة عبر تويتر "نحول التركيز الآن إلى (الغاز)... المستمر في التدفق إلى أوروبا عبر أوكرانيا" مضيفا أنها "مسألة وقت فقط" قبل أن يواجه تعطلا.

 

على الجانب الآخر فإن قطع روسيا لإمدادات الغاز بالكامل عن أوروبا سلاح ذو حدين، إذ يفقد ذلك روسيا تأثيرها الكامل على أوروبا ويدفع القارة بأكملها للمسارعة إلى حلول أكثر سرعة وربما جرأة للاستغناء الكامل عن الطاقة الروسية.

 

في الوقت نفسه أيضا، تنطلق إشارات تحذير من شركات طاقة بأن الارتفاع الجنوني لأسعار الغاز ربما يلحق أضرارا واسعة بالقطاع نفسه عبر سعي المستهلكين إلى بدائل للاستغناء عن الغاز بالكامل مما قد يقلص الطلب في نهاية المطاف على الرغم من أن نقص الغاز الروسي يعني أن الإمدادات الأوروبية ستظل شحيحة لعدة سنوات.

 

التحذير جاء على لسان "ماريو ميهرين" الرئيس التنفيذي لشركة "فنترسال ديا" الذي قال "كل من لديه فرصة للابتعاد عن الغاز يبتعد.. ولا نعرف ما إذا كان سيعود".

 

البدائل بين طرق الأبواب وتوفير الاستهلاك

 


تطرق أوروبا كل الأبواب للحصول على البدائل، ففي أذربيجان تسعى إلى زيادة سعة الغاز المتدفق عبر خط أنابيب "تاب" إلى الضعفين تقريبا عند ما لا يقل عن 20 مليار متر مكعب سنويا بحلول 2027. وكان وزير الطاقة الأذربيجاني قال إن بلاده ضخت 11 مليار متر مكعب من الغاز إلى أوروبا وتركيا في 2022، مع تخصيص 7.3 مليار إلى أوروبا.
 

وفي أوروبا، تعهدت النرويج، وهي منتج أوروبي رئيسي للغاز، بنقل كميات قياسية من الطاقة إلى أوروبا في السنوات المقبلة. وباتت النرويج أكبر مورد للغاز لأوروبا في العام الجاري وفقا لبيانات "رفينيتيف ايكون" متجاوزة روسيا حتى قبل إغلاق خط أنابيب نورد ستريم الأسبوع الماضي.
 

وتمد النرويج بريطانيا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا بالغاز عبر خطوط الأنابيب وأرجأت عمليات صيانة في الصيف لضمان ثبات التدفقات.
 

من ناحية أخرى يعلق البعض الأمر على ترشيد استهلاك الأسر في أوروبا في الشتاء، حيث يشكل ذلك 30-40 بالمئة من الطلب على الغاز. ويأتي نحو 80 بالمئة من الطلب على الغاز المنزلي من التدفئة بينما الباقي من الماء الساخن والطهي. وعادة ما يكون الطلب أعلى في فصل الشتاء أو الفترة بين أكتوبر ومارس.
 

ووفقا لمحللي "برنشتاين" بمقدور اتخاذ الأسر لتدابير محددة خفض الطلب على الغاز المنزلي بمقدار الثلث. فعلى سبيل المثال يؤدي خفض درجة الحرارة المطلوبة في أجهزة التدفئة بمقدار درجة إلى 19 درجة مئوية من 20 إلى خفض طلب الأسر بنحو 7 بالمئة. كما أن خفض الحرارة درجة إضافية يمكن أن يقلل الطلب على الغاز المنزلي 7 بالمئة أخرى.
 

حتى العادات الشخصية يمكن أن تلعب دورا مهما، فارتداء كنزة ثقيلة في المنزل خلال الشتاء ربما يوفر 4 بالمئة أخرى في طلب الأسر على الغاز.
 

كما يمكن أن يؤدي إرجاء تشغيل أجهزة التدفئة إلى نوفمبر من أكتوبر، و/أو إيقاف التدفئة بحلول فبراير بدلا من مارس إلى توفير ما بين 3-6 بالمئة. كما يمكن أن يساهم إيقاف تشغيل أجهزة التدفئة بالغرف غير المستخدمة واستبدال رؤوس صنابير الاستحمام بأخرى موفرة للمياه واستخدام غلايات المياه مرتين يوميا فقط إلى توفير 7% إضافية من الطلب.


 

المصادر: أرقام- رويترز- فايننشال بوست- الجارديان- Caspian news

أخبار ذات صلة

0 تعليق