ارتفاع أسعار الأسمدة يثير المخاوف بشأن أزمة غذاء عالمية تلوح في الأفق

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يثير ارتفاع أسعار الأسمدة عالميا مخاوف متنامية بشأن تأثر الإنتاج الزراعي، في الوقت الذي أدت فيه تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى صعود أسعار الغاز، اللقيم الأساسي لمعظم منتجي الأسمدة، في ظل أزمة إمدادات فعلية بسبب تقلص صادرات روسيا وأوكرانيا الزراعية، وهما أكبر مصدرين للقمح في العالم،مما يدق ناقوس الخطر من أزمة وشيكة في كوكب يعاني بالفعل من الجوع.

 

وروسيا أيضا من بين أكبر مصدري الأسمدة في العالم، وانخفضت صادرات موسكو من الأسمدة في النصف الأول من 2022 مقارنة مع نفس الفترة قبل عام، بيد أن روسياقالت إنها تسعى لإبقاء صادراتها من الأسمدة في 2022 عند مستوى لا يقل عما بلغته في العام الماضي، لكن هذا أمرا مشكوكا فيه في ظل خضوعها لعقوبات غربية تعرقل تعاملاتها التجارية مع بقية العالم.

 

وروسيا أكبر مصدر للأسمدة النيتروجينية في العالم وثاني أكبر مورد للبوتاسيوم وثالث أكبر مصدر للأسمدة الفوسفورية.

 

 

ويتم تصنيع الأسمدة الصناعية باستخدام واحد من ثلاثة مكونات أساسية وهي النيتروجين والفوسفور أو البوتاسيوم.

 

وكانت أسعار الأسمدة مرتفعة بالفعل قبل الحرب على أوكرانيا بسبب تداعيات أزمة كورونا، لكن الحرب فاقمت الزيادة لتصعد الأسعار مما يؤدي إلى تقلص مساحات الأراضي المزروعة، إذ أن الأسمدة إحدى أهم مدخلات الزراعة في العديد من دول العالم.

 

وصعدت أسعار الأسمدة القائمة على النيتروجين، والتي تستخدم الغاز كمادة أولية وتوفر ما يصل إلى ثلثي الأسمدة المستخدمة في زراعة المحاصيل، تماشيا مع صعود أسعار الغاز الطبيعي في أعقاب الحرب.

 

وزادت أسعار بعض الأسمدة 300 بالمئة منذ سبتمبر 2020 وفقا لتقديرات اتحاد مكتب الزراعة الأمريكي. وبحسب المفوضية الأوروبية، فإن الحرب في أوكرانيا دفعت أسعار الأسمدة للارتفاع بواقع 50 بالمئة تقريبا.

ونتيجة لذلك خفض المزارعون في أنحاء العالم استخدام الأسمدة جراء ارتفاع الأسعار مما يهدد بتقلص إنتاجية الغذاء وتعميق الأزمة العالمية في هذا الصدد.

 

وتتطلب صناعة الأسمدة كميات كبيرة من الطاقة أو بالأدق الغاز. وارتفعت أسعار الغاز إلى مستويات قياسية بعد فرض عقوبات غربية على موسكو، وهي مصدر رئيسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا التي تهيمن على نحو 15 بالمئة من إجمالي الإمدادات العالمية للمغذيات الزراعية مما قلص من توافرها. وزادتأسعار الغاز بنسبة 40 بالمئة تقريبا في أغسطس فقط ونحو 300 بالمئة منذ بداية العام الجاري.

 

كما حد الاتحاد الأوروبي من واردات البوتاس، وهي مادة كيماوية تستخدم في صناعة الأسمدة، وغيره من الأسمدة المركبة من روسيا وروسيا البيضاء.

 

ومن جانبها، كبحت روسيا قليلا صادرات الأسمدة بدعوى حماية مزارعيها حتى في الوقت الذي استمرت فيه بعض الدول مثل البرازيل والهند في تلقي الكيماويات الزراعية الروسية. وستظل القيود الروسية سارية حتى نهاية العام على الأقل.

 

وتتوقع "جرو انتليجنس" المجموعة المتخصصة في بيانات وأبحاث السلع الأولية أن يؤدي ارتفاع أسعار الأسمدة إلى خسارة نحو 1.8% من إجمالي الإنتاج العالمي للذرة والقمح والأرز وفول الصويا في موسم محاصيل 2022-2023.

 

وبدون الأسمدة، وهي مادة أساسية لتعزيز خصوبة التربة، يقل عادة إنتاج المحاصيل لأن المغذيات التي تزال من التربة أثناء الحصاد لا يتم تجديدها.

 

تنطلق إشارات التحذير من جميع بقاع العالم، ففي فرنسا، أكبر منتج للقمح في الاتحاد الأوروبي، قالت رابطة للمزراعين إن النقص المحتمل للأسمدة يعزز المخاطر المحيطة بمحصول القمح في العام القادم. وحذر الاتحاد الأوروبي من المزيد من الاضطرابات في إنتاج الأسمدة في القارة العجوز وسط انخفاض تدفقات الغاز الروسي، ومخاوف بشأن توقفها الكامل في الشتاء، مما يتسبب في أجواء من الضبابية حيال العام القادم.

 

وتقول الرابطة إن المزارعين في الوقت الحالي متأخرين بنحو 20 نقطة مئوية عن مستوى غطاء الأسمدة الذي تم تسجيله قبل عام.

 

هذا القلق تردد صداه في تصريحات "سيدريك بينويست" نائب الأمين العام للرابطة الزراعية "ايه جي بي بي" والذي قال "نواجه حالة من عدم اليقين التام... بناء على البيانات السياسية، أمامنا تقلبات في سوق الغاز ومصانع الإنتاج تغلق.. في الوقت الحالي أنا متشائم جدا بشأن توافر الأسمدة".

 

وتشكو الرابطة من أن ارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة أدى إلى تآكل هوامش أرباح المزارعين التي عززها ارتفاع أسعار الحبوب.

 

ويبيع المزارعون القمح بنحو 290-295 يورو للطن مقارنة بتكاليف إنتاج تتراوح بين 260-280 يورو وهو مستوى تكلفة يزيد بنحو 100 يورو عن العام الماضي.

 

المشهد في فرنسا مماثل لما يحدث في أوروبا كلها، خاصة في ظل تراجع إنتاج الأسمدة في القارة.

 

تقليص الإنتاج في أوروبا

 

 

المشهد في أوروبا يبدو مثيرا للقلق على نحو غير مسبوق، إذ تعلن المزيد من الشركات عن خفض إنتاج الأسمدة أو مكوناتها في ظل أزمة الغاز الجارية في القارة.

 

وكانت شركة "يارا" النرويجية، إحدى أكبر منتجي الأسمدة في العالم، أعلنت قبل أسابيع تقليص إنتاج الأمونيا بسبب ارتفاع أسعار الغاز مما أثار تساؤلات بشأن قدرة أوروبا على إنتاج الأسمدة الكافية لمحاصيلها.

 

والأمونيا تلعب دورا مهما في تصنيع الأسمدة. وحذرت "يارا" مرارا وتكرارا من أن العالم يواجه صدمة شديدة في الإمدادات الغذائية بسبب مزيد من ارتفاع أسعار الغاز والحرب في أوكرانيا وهي منتج رئيسي للحبوب والعقوبات على روسيا. وقالت إنها ستستخدم نحو 35 بالمئة فقط من قدرتها لإنتاج الأمونيا في أوروبا.

 

وقال "أدريان تاماجنو" المحلل لدى "بيرينبيرج" إن ذلك "سيؤدي إلى إمداد التربة بكميات أقل قليلا. وبشكل أساسي، وباختصار، فإن الأثر في المدى الطويل هو ارتفاع أسعار المواد الغذائية".

 

وقال"ماغنوس راسموسن" المحلل لدى "كيبلر تشوفرو" إن هذا الأمر "لا يبدو جيدا وهذه مشكلة للزارعين ولإنتاج الغذاء وللأمن الغذائي".

 

ويقول محللون إن المزارعين سيظلون قادرين على استيراد الأسمدة من خارج أوروبا، لكنها ستكون أعلى تكلفة.

 

و"يارا"واحدة من سلسلة طويلة من منتجي الكيماويات والأسمدة الأوربيين الذين أقدموا على خطوات مماثلة.

 

وأعلنت"باسف"الألمانية، أكبر شركة للكيماويات في العالم، قبل شهرين تقريبا أنها ستقلص إنتاجها من الأمونيا بشكل أكبر.

 

كما قالت مجموعة صناعة البلاستيك النمساوية "بورياليس"، وهي جزء من مجموعة الطاقة "أو ام في" إنها ستخفض وستوقف الإنتاج في بعض مصانع الأسمدة في مختلف مدن الاتحاد الأوروبي لأسباب اقتصادية.

 

وكانت "CF Fertilisers UK" وهي الوحدة الإنجليزية لشركة "CF Industries Holdings" أعلنت أنها ستعلق مؤقتا إنتاج الأمونيا بسبب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والكربون.

 

وبالمثل، قالت "Grupa Azoty" أكبر شركة كيماويات بولندية إنها ستوقف إنتاج الأسمدة النيتروجينية وستخفض إنتاج الأمونيا إلى نحو 10 بالمئة من الطاقة الإنتاجية في وحدة "Pulawy" التابعة. وتبعتها شركة "بي كيه ان اورلين" للتكرير التي أعلنت وحدتها التابعة "انويل" عن تعليق مؤقت لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، مشيرة إلى أنها ستستأنف الإنتاج فور استقرار سوق الغاز.

 

ولا يبدو أن المستقبل يحمل بادرة خير في هذا الشأن، إذ يقول "جون بافيس" كبير الاقتصاديين المعنيين بالزراعية ورئيس وحدة السلع الأولية لدى البنك الدولي إن ارتفاع أسعار الطاقة يعني أن الأسعار الأسمدة ستظل مرتفعة للخمسة أشهر المقبلة وحتى عام. وأضاف "لا نعرف كيف يمكن أن تنخفض أسعار الأسمدة".

 

افريقيا على رأس المتضررين

 

 

وبالطبع فإن القارات الأكثر فقرا مثل افريقيا على رأس المتضررين من الأزمة.

 

وعادة ما تستخدم الدول الافريقية كميات أقل من الأسمدة مقارنة بأجزاء أخرى من العالم، لكن تأثير ارتفاع الأسعار عليها سيكون أكبر وفقا لما يراه المحللون لأن معظم الدول في القارة تعتمد على إنتاج الغذاء محليا. وتعتمد عدة دول في القارة مثل الكاميرون على استيراد الأسمدة الروسية. وبحسب بنك التنمية الإفريقي، فإن القارة تفتقر إلى مليوني طن متري من الأسمدة.

 

وقال "ويل أوسناتو" المحلل لدى مجموعة "جرو انتليجنس" المتخصصة في بيانات وأبحاث السلع الأولية "بالنسبة لافريقيا، فإن إزاحة الكمية القليلة من السماد التي كانت تستخدم بشكل تقليدي له تأثير غير متناسب على إنتاج المحاصيل، مما يؤدي إلى نقص الغذاء الذي يتفاقم بسبب مستويات الجفاف الحالية".

 

وقالت "ماكنزي للاستشارات" إن عواقب أزمة الغذاء التي تلوح في الأفق ربما تكون أكثر وضوحا مما كان عليه الأمر خلال أزمة الغذاء العالمية في 2007-2008 وارتفاعات أسعار الغذاء في 2010-2011.

 

وأفادت منظمة "اي دي اتش" الهولندية غير الربحية التي تدعم التجارة المستدامة في الدول النامية أنه في بعض البلدان مثل ساحل العاج والكاميرون، ارتفعت أسعار الأسمدة بأكثر من 50 بالمئة منذ اندلاع الحرب.

 

وقال "جوناس امفا" المدير المعني بافريقيا لدى "اي دي اتش" إن "ثمة أزمة ضخمة في الأمن الغذائي في منطقة الصحراء الافريقية".

 

وفي حين أن معظم المزارعين في غانا عادة ما يكونون قد انتهوا من الاستخدام الكامل للأسمدة في حقولهم بحلول أغسطس، فإن مسحا أجرته شركة "فارمر لاين" الافريقية لتكنولوجيا الأغذية كشف أن أكثر من نصف المزارعين البالغ عددهم 178 الذين شملهم المسح لم يستخدموا الأسمدة في حقولهم على الإطلاق هذا العام.

 

واستخدم ثلث المشاركين في المسح الأسمدة بشكل جزئي بينما انتهى عشرة بالمئة فقط من استخدامها بالكامل. ووفقا لأبحاث "جرو انتليجنس" ستفقد افريقيا 12 بالمئة من إنتاجها من الذرة والقمح والأرز وفول الصويا في موسم المحاصيل الذي يمتد بين 2022 و2023.

 

وقال بنك التنمية الافريقي إن العديد من الدول الافريقية شهدت بالفعل ارتفاعا في أسعار الخبز والمواد الغذائية الأخرى، مشيرا إلى أنه إذا لم يتم تعويض عجز الأسمدة في القارة، فإن إنتاج الغذاء سينخفض 20 بالمئة على الأقل وإن القارة قد تخسر ما تزيد قيمته عن 11 مليار دولار من إنتاج الغذاء.

 

المصادر: أرقام- رويترز- فايننشال تايمز- بولوتيكو- صندوق النقد الدولي

أخبار ذات صلة

0 تعليق