الاستثمار في المياه .. ضرورة لا ترف في زمن التغير المناخي

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ زمن بات التحذير من اندلاع حروب المياه أمرا متكررا، فالعالم يواجه حقيقة يصعب إنكارها وهي أن الموارد في تناقص مستمر في ظل زيادة سكانية كبيرة وارتفاع كبير في معدلات الاستهلاك والتوسع الصناعي حتى ولو كان على حساب الموارد التي باتت شحيحة.

 

تزداد الأزمة صعوبة في ظل التغير المناخي الذي أدى إلى زيادة درجة حرارة الأرض وأطلق موجات جفاف غير اعتيادية تسببت في نضوب أنهار رئيسية في مناطق مختلفة من العالم، أبرزها في أوروبا والصين، مما أثر حتى على الطاقة الكهرومائية التي تشكل مصدرا مهما من مزيج الطاقة في العديد من البلدان.

 

بادئ ذي بدء، ثمة نظرة مغلوطة بأن المياه مورد لا نهائي وأنها متوافرة في كل الأوقات وبأسعار معقولة أيضا، لكن في الواقع إن هذه ليست الحقيقة. ووفقا لتقدير البنك الدولي فإن ثمة حاجة لاستثمار 150 مليار دولار سنويا لتأمين إمدادات عالمية من المياه والصرف الصحي على مستوى العالم.

 

أزمة تحيط بالجميع

 

 

يرى البنك الدولي أن الأزمة المتمثلة في ندرة إمدادات المالية عالية الجودة والطلب المتزايد على نحو مستمر، مدفوعا بالنمو الاقتصادي وتفاقم الوضع بسبب التغير المناخي، يمكن أن يكلف بعض مناطق العالم نحو ستة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2050 فضلا عن تسببه في تحفيز الهجرة وإثارة الصراعات. ويتوقع أن يفوق الطلب على المياه المعروض بواقع 40 بالمئة بحلول 2030.

 

على العكس من النظرة التقليدية الشائعة، فإن أزمة المياه لها تأثيرات متعددة الجوانب لا تقتصر فحسب على الاستهلاك الشخصي المتمثل في مياه الشرب أو الاستغلال في أنشطة تقليدية كالزراعة، فقد كشفت دراسة أعدها "Planet Tracker"، و"DISCLOSURE INSIGHT ACTION" بتكليف من المكتب الاتحادي السويسري المعني بالبيئة عن أن مخاطر المياه تهدد قطاعات الفحم والمرافق الكهربائية والمعادن والتعدين والنفط والغاز، وإن مسألة الأمن المائي لم تعد قضية على المستوى التشغيلي للشركات ولكنها باتت سؤالا استراتيجيا على مستوى الإدارات العليا للشركات.

 

وتشير الدراسة إلى أنه -على سبيل المثال- فإن شركات مدرجة قد تتكبد خسارة تصل إلى 225 مليار دولار بسبب المخاطر المرتبطة بالمياه. ومن 377 مؤسسة مالية مدرجة شملتها الدراسة، فإن نحو 33 بالمئة منها لا تضع تلك العوامل في اعتبارها.

 

يعني ذلك أن مئات المشاريع والشركات الجديدة، حوالي 69 بالمئة بحسب إحصاء الدراسة، قد تصبح قريبا غير صالحة أو مجدية بسبب التحديات الكبيرة المتعلقة بالمياه. حتى إن شركات شملتها الدراسة مثل "أنجلو أمريكان بلاتينيوم" و"Iberdrola" و"Suncor Energy"، و"Newmont Mining" أعلنت أن تدهور الأمن المائي سيؤثر سلبا على نموها بشكل مباشر. وحتى "تويوتا" اليابانية أعلنت في وقت سابق أنها علقت الإنتاج في مصنعها في مقاطعة سيتشوان الصينية وسط نقص في الطاقة بسبب الجفاف.

 

الشعور بالأزمة دفع تكتلا استثماريا يحمل اسم "Ceres" ويضم 64 مستثمرا وصناديق تقاعد، من بينهم "فرانكلين ريسورسز" و"فيديريدت هيرميس" و"فيديلتي انترناشونال"، ويدير استثمارات بقيمة 9.8 تريليون دولار للضغط على مجالس إدارات الشركات التي يستثمر فيها لبذل المزيد من الجهد لضمان إدارة أفضل لاستغلال المياه وحماية الأنظمة البيئية في المناطق المجاورة للأنشطة.

 

الوعي بخطورة الأزمة أيضا، في ظل 2.3 مليار شخص يعيشون في دول تعاني الشح المائي، دفعت مجموعة من مديري الأصول لتدشين صناديق أسهم تلبي الاهتمام المتنامي بين المستثمرين للعثور على حل.

 

ووفقا لبيانات عالمية من "مورنينج ستار دايركت" فإن 23 صندوقا للمياه أطلقت على مدى السنوات الخمس الماضية، بأصول إجمالية قدرها ثمانية مليارات دولار حتى نهاية يوليو.

 

وقال "ديفيد جرومهاوس" مدير محفظة تبلغ قيمتها 812 مليون دولار إن ثمة تأثيرات غير مباشرة لتفاقم أزمات المياه. وأضاف "عندما تكون القصة الرئيسية في عناوين الأخبار هي أن القوارب لا تستطيع الإبحار في نهر الراين وأن الألمان لن يحصلوا على كامل إمداداتهم، فهذا بالتأكيد يجعل الناس يفكرون في المياه".

 

لا تمتلك تلك الصناديق بشكل مباشر حقوقا مائية، لكنها تستثمر في شركات تنكشف أنشطتها على المياه مثل "أمريكان ووتر وركس" وشركة "Xylem" لتكنولوجيا المياه والمجموعة الصناعية السويسرية "Georg Fischer AG" المتخصصة في النقل الآمن للمياه.

 

عراقيل أمام الاستثمار

 

 

يقول مديرو الصناديق والمحللون إن الاستثمار في القطاع تواجهه عراقيل منها أن عدد الشركات المدرجة التي تركز بشكل مباشر على المياه صغير.

 

فثمة ما يتراوح بين 25 إلى 30 شركة تعمل في قطاع مرافق المياه على مستوى العالم قابلة للاستثمار بها فحسب وفقا لتقديرات "سيمون جوتييه" المدير المشارك بصندوق "Thematics Water Fund" البالغة قيمته 282 مليون دولار، بالإضافة إلى عدد لا يتعدى أصابع اليد الواحدة من شركات تكنولوجيا المياه.

 

وفي ظل نقص العدد، يلجأ مديرو الأصول إلى الاستثمار في مجموعة أكبر من الشركات والتي تضم قطاعات للمياه بجانب بقية وحدات النشاط. وتركز العديد من تلك الشركات على تحلية المياه والري الذكي ومنع التلوث.

 

ويقول "سيدريك ليكامب" مدير صندوق "Pictet-Water Strategy" الذي يدير أصولا بقيمة 9.2 مليار دولار إن الصندوق حدد 360 شركة لها انكشاف هادف على قطاع المياه. ففي نهاية يوليو 2022، كان أكبر مركز لصندوقه في شركة "Danaher Corporation" التي تملك أنشطة في مجال جودة المياه لكنها تحقق معظم إيراداتها من قطاعي علوم الحياة والتشخيص وفقا لإفصاحات الشركة.

 

ويرى مديرو صناديق المياه أن هذا التنويع في الاستثمار بما يتجاوز شركات المرافق فقط بأنه ضرورة، بل إنه يمثل أصلا محتملا بالنظر إلى عدد الشركات التي تعمل في قطاعات حلول المياه، خاصة في ظل نظرة مستقبلية إيجابية على نحو غير مسبوق لأنشطة الشركات القائمة في تلك القطاعات.

 

شركة "Xylem" الأمريكية لتكنولوجيا المياه والتي تقدم حلولا ذكية لنقل المياه والتعامل معها تشكل مثالا واضحا على ذلك، إذ يتوقع "ألبرت تشو" نائب أول للرئيس في الشركة نمو الإيرادات خمسة بالمئة تقريبا حتى عام 2025 مع تطلع العملاء لتعزيز كفاءة استخدام المياه.

 

بالطبع هذا المعدل ليس مرتفعا بالنسبة لشركة تكنولوجية، لكن تشو يصفه بالكبير في قطاع المياه، الذي يعاني من أن المشترين فيه هم في أغلبهم مؤسسات مرافق محلية تعاني نقص التمويل.

 

ويرى الكثيرون أن رقمنة بنيتهم التحتية هي أداة قوية لتعزيز الكفاءة مثل اكتشاف فاقد المياه في الأنابيب تحت الأرض. وقال تشو إنه باستخدام المعدات المناسبة "تعرف أين توجد المياه وأين تتسرب ويمكنك أن تفعل شيئا حيال ذلك".

 

الشركات الناشئة.. هل تكون الأمل؟

 

 

ترى "جينجر روثروك" مدير أول لدى "أتش جي فنتشرز" الذراع الاستثمارية لمجموعة "The Heritage Group" أن عددا من الشركات الناشئة الصغيرة بدأت تهتم بأنظمة معالجة مياه الصرف الصحي، خاصة أن تكلفة المياه قد تزداد. كما أن هناك مجالاً أيضا للاستثمار في مراقبة استخدام المياه الصناعية إذ تطالب استراتيجيات الاستدامة لدى الشركات الكبرى بالمزيد من الشفافية في سلاسل التوريد الخاصة بها. أيضا من المجالات المثيرة للاهتمام في قطاع المياه الاقتصاد الدائري حيث يتم إعادة استخدام الموارد بدلا من التخلص منها.

 

ترى فيديلتي للاستثمار أن ثمة توجهاً للمزيد من إشراك القطاع الخاص في الاستثمار بالمياه في ظل تكشف الأزمة أمام الحكومات، وتضرب مثالا على وجهات للاستثمار تشكل مكسبا للمستثمرين منها "نيبتون تكنولوجي" العاملة في مجال العدادات الذكية للمياه والتي تقدم خدماتها لأكثر من 4000 مرفق مياه في أمريكا الشمالية.

 

وتقول إن عدادات المياه معقدة على نحو كبير وإنها شهدت الانتقال من أنظمة القياس اليدوي إلى القياس الأوتوماتيكي. وتتضمن البنية التحتية المتقدمة للقياس العدادات الرقمية التي تتميز بالقدرة على التواصل في الاتجاهين حتى يمكن لمؤسسات المرافق التوصل مع العملاء لمساعدتهم على توفير الطاقة وتقليل التكلفة. كما أن شبكات العدادات الذكية يمكنها المساعدة في العثور على التسريبات أو التحذير منها. وترى أن هذا القطاع يمثل مجالا مفتوحا للاستثمار نظرا لأن عددا محدودا من الشركات يهيمن عليه.

 

لا يقتصر الأمر على ذلك، فقطاع المياه واسع النطاق من تطوير تقنيات جديدة لمعالجة المياه، وشبكات المياه الذكية، وأنظمة التحلية، وحلول القياس، وأنظمة الاختبار، والتوزيع.

 

فمثلا الشركات التي تعمل في قطاع معالجة المياه من خلال إزالة المواد الكيماوية، عبر مجموعة متكاملة من التقنيات مثل التناضح العكسي والتبادل الأيوني والكربون النشط الحبيبي وعمليات الأكسدة، تزداد أهميتها مع وعي الحكومات بضرورة توفير مياه شرب ذات جودة مرتفعة وزيادة وعي المستهلكين بطلب مياه أكثر نقاوة.

 

تتطور أيضا تقنيات المساعدة في مجالات المياه، سواء عبر جمع المعلومات للمساعدة في الامتثال للقواعد التنظيمية في القطاع وتوفير التكاليف وصيانة المعدات. وتتيح تلك الأنظمة للعملاء جمع البيانات والولوج إليها وتشاركها وكذلك التحكم عن بعد في عمليات المعالجة بكفاءة على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع عبر شبكات ذكية للبنى التحتية.

 

فبسبب عدم كفاية البنية التحتية أو عدم تحديثها، فإن نحو 30 إلى 40 بالمئة من المياه عالميا غير مدرة للإيرادات وفقا لوكالة الطاقة الدولية. والمياه غير المدرة للإيرادات المقصود بها هنا تلك المفقودة بسبب تسربات الأنابيب، أو الاستهلاك غير المرخص، والفساد وعدم الكفاءة. وهنا مجال هائل للتطوير أمام شركات تقنيات المعلومات.

 

أبرز مثال على ذلك، كان ما قامت به شركة "راند ووتر"، أكبر مرفق للمياه في إفريقيا، في عام 2015 إذ قامت بإجراء فحص شبكة خطوط الأنابيب عالية الضغط الخاصة بها والتي يبلغ طولها 2200 كيلومتر باستخدام أداة مزودة بعدد من نقاط الاستشعار والتي تنتجها شركة "Xylem" والتي تستخدم لاكتشاف وتحديد مصادر التسريبات وجيوب الغاز باستخدام الصوت مما ساهم في حل مشكلة مكلفة كانت تؤثر على الشركة.

 

تشير التقديرات بصفة عامة إلى أن إيرادات القطاع قد تنمو بنسبة تتراوح بين أربعة إلى ستة بالمئة سنويا في المدى الطويل، وثمة اعتقاد بين الخبراء بأن الشركات القادرة على الابتكار وتقديم حلول عملية وتقنية وذكية ستنمو بضعف هذا المعدل.

 

المصادر: أرقام-البنك الدولي- رويترز- فيديلتي للاستثمار- (CDP and Planet tracker)

أخبار ذات صلة

0 تعليق