الدولار يواصل ارتفاعه بلا هوادة والضحايا يتزايدون

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يسجل الدولار الأمريكي أداء قويا في أسواق العملات متجاوزا مستوياته القياسية بين كل حين وآخر ومطيحا في المقابل بعملات الدول النامية والناشئة على السواء، في ظل دعم رئيسي يتلقاه من جانب مجلس الاحتياطي الاتحادي الذي يرفع أسعار الفائدة لمكافحة تضخم صعب المراس في أكبر اقتصاد في العالم.

 

وبلغ مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، أعلى مستوياته في نحو عقدين في سبتمبر، بينما تمضي العملة الأمريكية صوب مسار تسجيل أفضل أداء سنوي منذ 1984 في ظل توقعات بأن تواصل موجة الصعود مع استمرار المركزي الأمريكي في تشديد السياسة النقدية.

 

ويميل الاستثمار عادة إلى التدفق للعملات ذات العوائد المرتفعة، مما يدعم العملة الأمريكية جزئيا، لأن الاحتياطي الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة بقوة أكبر من بعض البنوك المركزية الأخرى مع سعيه لاحتواء تضخم عند أعلى مستوى في 40 عاما تقريبا، ليس هذا فحسب، ولكن يُنظر إلى الدولار على أنه من بين الملاذات الآمنة خلال أوقات الاضطراب، وهو ما يعانيه العالم حاليا في ظل المخاوف من أن الصدمة الناجمة عن الصعود الصاروخي لأسعار الطاقة ستؤدي إلى عرقلة النمو الاقتصادي في أجزاء كثيرة من العالم.

 

 

هذا فضلا عن أن التوقعات للاقتصاد الأمريكي أفضل من نظيرتها في أوروبا والصين. فبنك إنجلترا المركزي يتوقع أن يدخل الاقتصاد في ركود بنهاية العام بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرات ذلك على التضخم الذي قد يرتفع إلى رقم في خانة العشرات.

 

أوروبا أيضا تقترب من تضخم عند عشرة بالمئة سيكون الأعلى منذ تشكل التكتل الاقتصادي في 1999 وذلك جراء الصراع الأوكراني الروسي وأزمة الطاقة الناجمة عنه، ويرى اقتصاديون أن القارة يمكن أن تدخل في دوامة زيادة أجور من الصعب الخروج منها مما يجعل المستثمرين مترددين إزاء شراء اليورو بعد انخفاضه الحاد، وتؤدي زيادات تكاليف الاقتراض إلى فتور نشاط أسواق الإسكان في أستراليا وكندا ونيوزيلندا.

 

عملات الأسواق المتقدمة ضحية جديدة 

 

كان من المعتاد أيضا أن يتفوق الدولار في الأداء كل حين وآخر على عملات الأسواق الناشئة لكن الجديد أنه حتى عملات الأسواق المتقدمة لم تعد قادرة على الصمود في مقابل الدولار في ظل الإنهاك الذي يعتري أداء مختلف الاقتصادات في أنحاء العالم جراء جائحة كوفيد-19 واضطرابات سلاسل الشحن وارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في أوكرانيا.

 

ومنذ اتضاح تحول بنك الاحتياطي الاتحادي نحو تشديد السياسة النقدية منذ نحو عام، عانت عملات الأسواق المتقدمة على الأقل بنفس القدر الذي شهدته نظيراتها في الدول الناشئة. ومن بين 31 سعر صرف رئيسياً تتابعها "بلومبرج"، كانت أربعة لدول متقدمة بين أكبر عشرة خاسرين، بينما كان سعر واحد وهو للدولار الكندي فقط من بين أفضل عشرة أداءً.

 

وزاد الدولار مقابل اليورو والين دافعا العملتين صوب أدنى مستوياتهما في عقدين تقريبا والجنيه الإسترليني لأقل مستوياته في نحو 40 عاما. بينما في الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تراجع اليوان متجاوزا المستوى النفسي الهام البالغ 7 دولارات للين للمرة الأولى في عامين في منتصف سبتمبر.

 

يشكل ذلك تحديا كبيرا للبنوك المركزية في أنحاء العالم والتي تواجه خيارين كلاهما مُر، وهما إما أن تظل تشاهد عملاتها المحلية يعتريها الضعف أو تبطئ تلك العملية سواء عبر بيع الدولار أو رفع أسعار الفائدة مخاطرة بانزلاق اقتصاداتها في تباطؤ اقتصادي حاد. وحتى مع لجوء البنوك المركزية إلى تلك الإجراءات فإن قدرتها على التأثير على الدولار محدودة.

 

 

وقال "سايوري شيراي" عضو مجلس بنك اليابان المركزي السابق والأكاديمي بجامعة "كيو" حاليا: "عبر رفع أسعار الفائدة فقط، فإن بقية الدول من المستبعد أن توقف انخفاض عملاتها.. هذا لأن قوة الدولار لا تمثل انعكاسا فحسب للتوقعات بشأن زيادات أسعار التمويل الاتحادي هذا العام، وبالتالي طلبًا أعلى على أصول الدخل الثابت الأمريكية، لكنها تعكس أيضا مخاطر الركود العالمي الناشئة عن زيادات لأسعار الفائدة تفوق المتوقع في السابق في أنحاء العالم".

 

يقول المحللون أيضا إن الاحتياطي الفيدرالي يبدو متحررا من كل القيود في رفعه لأسعار الفائدة وتشديد السياسة النقدية مقارنة مع غيره من البنوك المركزية. ويضربون مثالا على ذلك بالبنك المركزي الأوروبي الذي عليه أن يبقي نصب عينيه ما إذا كان تشديد السياسة النقدية سيولد مخاوف بشأن الائتمان السيادي وكذلك ما إذا كان سيخلق حالة من التشرذم المالي في أنحاء أوروبا المتباينة القوة من حيث الاقتصاد بين دولها. على العكس من ذلك كان المركزي الأمريكي يبادر بخطوات أكثر قوة واستباقية بشأن السياسة النقدية.

 

ويقول "مايكل إيفري" الخبير الاستراتيجي لدى "رابوبنك" إنه لا يعتقد "أن هناك أي شيء يمكنه أن يوقف الدولار، ما دامت ترتفع أسعار الفائدة الأمريكية.. ستكون هناك مراحل تقطع حيث قد يحاول السوق خداع نفسه والتظاهر بإنكار ما يحدث. لكننا نتوقع أن تتعزز قوة الدولار بشكل ملحوظ بحلول نهاية العام".

 

وسجل الدولار مكاسب قياسية هذا العام، إذ ارتفع بنحو 14 بالمئة مقابل اليورو و17 بالمئة مقابل الجنيه الإسترليني.

 

يرى محللون أن مسارات أسعار الفائدة تبدو أقل قوة وأحيانا تسجل حالة من التناقض في أماكن عديدة من العالم بخلاف الولايات المتحدة. يسوق الخبراء أمثلة على هذا بالإشارات الصادرة أخيرا من البنك المركزي الأوروبي بشأن الاتجاه صوب زيادات سريعة محتملة لأسعار الفائدة بينما تتمسك اليابان بفائدة صفرية فيما تقوم الصين بخفض أسعار الفائدة. هذا بينما يقول محللون إن السلامة والقوة النسبية للاقتصاد الأمريكي تدعم الدولار.

 

بالطبع ارتفاع الدولار يفرض ضغوطا قاسية على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة لأن زيادة تكاليف الواردات بالدولار تأتي في وقت يصارع فيه العالم تضخما جامحا. وتبدو حالة الانزعاج واضحة في آسيا حيث تواجه البلدان المستوردة للسلع الأولية مثل كوريا الجنوبية والهند ضغوطا على عملاتها بينما تسببت المخاوف الاقتصادية في أن تواجه الصين صعوبات للسيطرة على تراجع اليوان.

 

الين أكبر الخاسرين

 

 

لكن الخاسر الأكبر كان الين الياباني، إذ يرفض بنك اليابان المركزي تحريك أسعار الفائدة من مستواها الصفري بينما ترتفع أسعار الفائدة الأمريكية بقوة مما يجعل الين أكبر ضحية لقوة الدولار جراء تباين السياسة النقدية بين طوكيو وواشنطن.

 

فقد الين ما يزيد على 20 بالمئة من قيمته منذ بداية العام الجاري ليبلغ قاع 24 عاما مقابل الدولار في منتصف سبتمبر.

 

التقلب البالغ للين والذي لم تعهده اليابان دفعها مؤخرا للخروج عن صمتها والتهديد على لسان وزير المالية "شونيتشي سوزوكي" بالتدخل في سوق الصرف إذا استمر الضعف الحاد للين. وبلغ الين أدنى مستوياته في 24 عاما مقابل الدولار في سبتمبر. وذكرت تقارير أن بنك اليابان المركزي أجرى في الآونة الأخيرة فحصا نادرا للسوق مع البنوك في استعداد على ما يبدو للتدخل لكبح التراجعات العنيفة للين.

 

لكن التوقعات تظل سلبية، إذ يقول محللون للسوق ومديرو صناديق إنه، حتى لو نفذت اليابان تهديدها بالتدخل في سوق العملة فإن ذلك ربما يبطئ لكنه لن يوقف تراجع الين صوب أدنى مستوى في 30 عاما قبل نهاية العام، وإن تغيير العملة لاتجاهها لن يحدث إلا إذا بدل المركزي الياباني موقفه حيال السياسة النقدية.

 

وفي بقية العالم، يساعد الدولار بعض الدول فيما يخص صادراتها وميزانها التجاري، لكنه في الوقت ذاته يفاقم مشكلات أخرى منها أن النفط وغيره من السلع الأولية المقومة بالعملة الأمريكية ترتفع تكلفتها للمشترين من حائزي العملات الأخرى كما أن خدمة الديون الدولارية تزداد صعوبة سواء للشركات أو الحكومات في بقية العالم.

 

وقال "خوان بيريز" مدير التداول لدى "مونيكس يو إس إيه" ومقرها واشنطن: "يعود جزء كبير من هيمنة الدولار ببساطة إلى رؤية كيف أن الولايات المتحدة قادرة على حماية نفسها" من كل السلبيات الناشئة.

 

يرى الخبراء أن ثمة تناقضاً في أسعار الطاقة على جانبي الأطلسي يبدو أنه يدعم الدولار على حساب بقية العملات الأوروبية، فببساطة رغم ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة إلا أن نظيرتها في أوروبا ارتفعت بقوة أكثر بكثير إذ إن الولايات المتحدة من بين كبار منتجي النفط في العالم كما أن لديها قدرات كبيرة في مجال الغاز بينما تعتمد أوروبا بالكامل على استيراد الوقود.

 

في الصين أيضا يثير هبوط اليوان موجة قلق محمومة، إذ إن الدولار تجاوز مستوى سبعة يوانات انخفاضا مرتين فقط منذ الأزمة المالية العالمية في 2008. وسعت الحكومة الصينية في الآونة الأخيرة لتعزيز الثقة في العملة وتحقيق استقرارها بعد تحركاتها الحادة مؤخرا ونشرت وسائل الإعلام الحكومية تقارير تقول إن أداء اليوان كان أفضل بكثير من معظم العملات الأخرى خلال العام الماضي.

 

وقد يثير هذا المستوى المخاوف من نزوح تدفقات رأس المال في الوقت الذي تسعى فيه بكين إلى حشد الموارد لتنشيط الاقتصاد المترنح جراء تفشي فيروس كورونا وضعف في سوق العقارات. وكانت بيانات رسمية كشفت عن أن المستثمرين الأجانب خفضوا حيازاتهم من السندات الصينية للشهر السابع على التوالي في أغسطس بفعل ضعف اليوان ولتسارع فروق العوائد مع الولايات المتحدة.

 

حتى في الهند وهي من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، يقول متداولون في العملة إن الروبية تتعرض لضغوط جراء رفع أسعار الفائدة الأمريكية وإنه من المرجح أن يلجأ البنك المركزي الهندي إلى التلميح لتشديد السياسة النقدية لكبح انخفاض العملة المكلف.

 

المصادر: أرقام- رويترز- بلومبرج- جولدمان ساكس

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق