قبل قرار "الفيدرالي" اليوم .. هل اقترب اندلاع "حرب" البنوك المركزية؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

"مهما حدث سنظل حريصين على العودة إلى مستوى تضخم 2% المستهدف وسنستخدم كافة الأدوات الاقتصادية والنقدية من أجل تحقيق هذا الهدف".. على الرغم من أن هذا التصريح صدر من رئيس البنك المركزي الأوروبي قبل أيام، فإنه يبدو تكرارًا لغالبية تصريحات المسؤولين في البنوك المركزية الغربية، ولا سيما الفيدرالي الأمريكي، خلال الفترة الماضية.

 

فمع اجتماع الفيدرالي الأمريكي، الذي من المنتظر أن يصدر قراره برفع الفائدة اليوم، بدا أن البنوك المركزية حول العالم انقسمت بين من قرر اتخاذ تدابير استباقية للحد من أثر الرفع الأمريكي المنتظر على الاقتصادات الوطنية، ومنهم من أعلن اجتماعات تلي الفيدرالي الأمريكي لاتخاذ تدابير ملائمة لنسبة رفع الفائدة التي تتقرر في أمريكا، بما يهدد العالم بالدخول في مواجهة واسعة بين البنوك المركزية حول العالم.

 

 

"شهية" الحد من التضخم

 

وعلى ذلك فيبدو أن الخلافات الأوروبية حول رفع سعر الفائدة بدأت في التراجع، حيث دعا البنك الفيدرالي الألماني نظيره الأوروبي صراحة قبل أيام إلى رفع سعر الفائدة، في الوقت الذي أشار فيه المركزي الفرنسي إلى أن معدلات التضخم المرتفعة في منطقة اليورو والتي بلغت 9.1% في أغسطس 2022، بينما لم تتخط 3% في أغسطس 2021.

 

ويعكس هذا أن البنك المركزي الأوروبي سيلجأ لزيادة سعر الفائدة قريبًا، وسط توقعات بوصولها لـ2% قبل نهاية العام كما رجحت باريس، بينما لا تتخطى حاليًا 0.75%، وعلى الرغم من أن هذه النسبة ستبقى بعيدة عن النسبة الأمريكية المتوقعة في نهاية العام فإنها ستبقى تحركًا غير معتاد للمركزي الأوروبي لمضاهاة تحركات المركزي الأمريكي ومحاولة الحد من التضخم.

 

وتخوف البعض من أن قيام بعض البنوك المركزية ذات الثقل النسبي المتوسط مثل السويد بـ"جني ثمار" رفع الفائدة قد يحرض آخرين على الدخول في "حرب البنوك المركزية"، حيث ارتفعت الكرونة السويدية بنسبة 1% أمام سلة العملات الرئيسية في نفس يوم إقرار زيادة سعر الفائدة من 0.75% إلى 1.75%، وذلك لأن المتوقع في الأسواق كان ارتفاع الفائدة إلى 1.5% فحسب.

 

وقد يثير مثل هذا الأمر شهية بنوك مركزية أخرى، لأن الكرونة السويدية ارتفعت 2% تحسبًا للرفع بنسبة 0.75% وأعقبها الارتفاع بنسبة 1% أخرى بعد الزيادة، ومن شأن الارتفاع في قيمة العملة بهذا الشكل الحد من "التضخم المستورد" بالنسبة لغالبية الدول، حيث إن الأغلبية الكاسحة حول العالم تستورد أكثر مما تصدر.

 

تخوفات

 

ولذلك يتخوف مراقبون من أن يلجأ بنك إنجلترا في اجتماعه غدا، الخميس، إلى رفع الفائدة بنسبة 0.75% لمواجهة تحركات البنوك المركزية الأخرى، وبذلك سيكون بنكًا مركزيًا كبيرًا قد دخل بشكل أو بآخر في المواجهة بما ينذر بزيادة حدتها.

 

 

والشاهد أن أسعار الفائدة الحقيقية (أي التي يتم إزالة تأثير التضخم منها) في مختلف دول العالم المتقدم بقيت نسبًا سالبة وذلك بفعل ارتفاع التضخم في تلك الدول، وبلغ سعر الفائدة الحقيقي السالب في الولايات المتحدة على سبيل المثال -3.96% على أساس سنوي في مايو الماضي بينما وصل في أغسطس إلى -1.74%.

 

 

وتحاول البنوك المركزية الكبيرة تجنب وصول سعر الفائدة الحقيقي إلى قيمة موجبة حتى لا يصبح الادخار جاذبا للمستثمرين، وينصرفون بذلك عن ضخ أموالهم في المشروعات المختلفة وبالتالي يصبح الادخار السلبي هو السائد بما يضر بالاقتصاد بشدة لتأثيره على مختلف الشركات والمشاريع.

 

وتزداد مخاوف القيمة إثر القيمة الموجبة للفائدة الحقيقية مع مخاوف الركود الحالية، وعلى الرغم من ذلك وصلت نسبة الفائدة الحقيقية إلى قيم موجبة في العديد من الدول النامية (في بعضها وصلت 3% وهي قيمة عالية للغاية للقيمة المضافة العالية وذلك مع ملاحظة إدخال عنصر تراجع سعر الصرف مقابل الدولار في غالبية تلك الدول).

 

وتسعى تلك الدول إلى محاولة الحفاظ على رؤوس الأموال المتاحة لديها على أراضيها، لأنه مع زيادة عدم الوضوح الاقتصادي الحالي تلجأ رؤوس الأموال إلى "الهجرة" من الدول النامية إلى المتقدمة، ومن شأن منح سعر فائدة مرتفع الإبقاء على بعض تلك الأموال (وإن كانت التكلفة باهظة).

 

والمثال الصارخ على ذلك هي الأرجنتين التي رفعت سعر الفائدة فيها إلى 75% في 15 سبتمبر الحالي، وذلك لمواجهة تحركات رؤوس الأموال الساخنة من جهة، ولمكافحة التضخم الذي بلغ 78.5% بما يجعل الاقتصاد في مأزق كبير للغاية بسبب تراجع الاستهلاك بسبب التضخم القياسي من جهة، وصعوبة أو حتى "استحالة" الاستثمار مع نسب فائدة مرتفعة بهذا الشكل.

 

دول خارج السرب

 

وتبقى بعض الدول التي "تغرد خارج السرب" وفي مقدمتها روسيا والتي خفض بنكها المركزي نسبة الفائدة إلى 7.5% وذلك في ظل معاناة الاقتصاد الروسي من الانكماش بالدرجة الأولى وليس التضخم، بينما قرر البنك الصيني المركزي الإبقاء على نسب الفائدة كما هي دون تغيير، على الرغم من قيامه بخفضها مرتين خلال التسعة أشهر الأخيرة وذلك لحرصه على الرواج قبل مكافحة التضخم.

 

 

أما اليابان فيبدو أن البنك المركزي أمام اختيارات صعبة للغاية؛ فمع ارتفاع التضخم إلى مستوى 2.8% القياسي منذ 8 سنوات وتراجع الين إلى أدنى قيمة منذ أزمة الأسواق الآسيوية عام 1998 يبدو أن رفع الفائدة هو الخيار الأمثل، ولكن مع تخوفات اليابان الشديدة من الركود ووصول التضخم "أخيرًا" إلى نسب موجبة فإن الإبقاء على الفائدة في مستوياتها الحالية القريبة من الصفر يبدو الخيار الأفضل، ليبقى الاختيار صعبًا ومعقدًا للغاية.

 

والشاهد أن ما يثير القلق في تحركات البنوك المركزية حول العالم أنها –بشكل عام- لم تحدث آثارها المطلوبة بخفض التضخم، وهو ما ينذر باستمرار المواجهة بين البنوك المركزية وهي المواجهة التي يمكن تعريفها بأنها "حرب الخاسرين"، لأنها تزيد من احتمالات الركود بشدة وتعرقل جهود إنعاش الطلب العالمي، وهي المشكلة التي طالما حذر منها الاقتصاديون "محاولة استخدام أدوات مالية فقط لحل مشاكل ذات طبيعة اقتصادية".

 

المصادر: أرقام- سي.إن.بي.سي- رويترز- واشنطن بوست- بالانس

أخبار ذات صلة

0 تعليق